الخميس 10 محرم 1424 هـ الموافق 13 مارس 2003 هل فقدت كل من إدارة بوش وحكومة بلير شرعية الاستمرار في الحكم؟ الحديث هنا ليس عن استطلاعات الرأي التي تعكس يوماً بعد يوم، المزيد من التردي في شعبية كل من هذين الزعيمين الغربيين بما يتطلب إرجاء انتخابات جديدة في الولايات المتحدة وبريطانيا.. وليس عن اتساع حركة التذمر المتصاعدة في الشارع الأميركي والشارع البريطاني. إننا نتحدث عن مؤشر «الاستقالات» التي قد تتنامي في الأيام المقبلة إلى مستوى ظاهرة. آخر الأخبار تفيد باستقالة دبلوماسي أميركي واستقالة مستشار استخباراتي استرالي. وقبل هذين استقال دبلوماسي أميركي آخر ووزير دولة بريطاني، بينما هددت وزيرة بريطانية علناً وعبر أجهزة الإعلام بالاستقالة. وتقول التكهنات الصحافية في لندن إن أربعة وزراء آخرين في حكومة توني بلير قد يقدمون استقالاتهم أيضاً. والمثير حقاً أن الاستقالات والتهديد بالاستقالة تلتقي جميعها عند نقطة واحدة: انتقاد السياسة الراهنة تجاه العراق سواء في الولايات المتحدة أو الدولتين الحليفتين، بريطانيا واستراليا. الدبلوماسي الأميركي جون براون المستقيل مؤخراً لاحقاً بزميله جون كيسلنغ الذي سبقه في الاستقالة ببضعة أيام، قال بوضوح قاطع إن اعتزاله العمل الدبلوماسي هو تعبير عن احتجاج ضد السياسة الأميركية تجاه العراق. وقال إنه لا يستطيع دعم هذه السياسة التي «تثير مشاعر معادية للولايات المتحدة في جميع أنحاء العالم». وبعد خدمة تقارب 22 عاماً في المهنة الدبلوماسية خاطب جون براون وزيره كولن باول في رسالة الاستقالة قائلاً: «لقد انتسبت إلى الهيئة الدبلوماسية لأنني أحب بلادي. وباحترام وحزن أنهي عملي للأسباب نفسها». وأضاف: «إن الولايات المتحدة تصبح في جميع أنحاء العالم مرتبطة بالاستخدام غير المبرر للقوة». جون كيسلنغ، زميله الذي استقال قبله، سرد في خطاب استقالته الأسباب نفسها تقريباً. ولذا قال براون في خطابه: «أنضم إلى زميلي جون كيسلنغ لأن ضميري لا يسمح لي بدعم خطط الحرب للرئيس بوش ضد العراق». وزير الدولة البريطاني آندي ريد علل استقالته أيضاً بأنه لم يعد قادرا على الوفاء بمتطلبات سياسية توني بلير تجاه العراق. وبينما كانت أصداء استقالته تتردد في دوائر السلطة والإعلام في لندن، أعلنت وزيرة التنمية الدولية كلير شورت أنها لن تتردد في الاستقالة إذا دخلت بريطانيا الحرب ضد العراق دون قرار بهذا المعنى يصدر عن مجلس الأمن الدولي. وقالت هذه السيدة التي تعبر عن التذمر واسع النطاق في صفوف حزب العمال الحاكم، ليس داخل البرلمان فحسب بل أيضاً داخل مجلس الوزراء نفسه، في حديث إذاعي: «لن أؤيد انتهاكاً للقانون الدولي أو هذا التقويض للأمم المتحدة». وتزامن مع استقالة الدبلوماسي الأميركي الثاني استقالة أندرو ويكلي المستشار الاستخباراتي لرئيس الوزراء الاسترالي واصفاً سياسة الحكومة بأنها «بلهاء». ظاهرياً، ومبدئياً، قد لا تبدو استقالات دبلوماسيين دون مستوى سفير ووزير دولة ومستشار استخباراتي بالشيء الجليل الذي يؤدي إلى قلب موائد، حتى لو جرت كل هذه الاستقالات في دولة واحدة فضلاً عن توزعها على ثلاث دول. لكنها إذ تحدث قبل شن الحرب على العراق فإنها يمكن أن تمثل مؤشراً خطيراً لما قد يحدث إذا انقلب المناخ تماماً بعيد اشتعال الحرب.. أو عندما يبدو أن إطلاق الصواريخ والقنابل على العراق صار وشيكاً. لقد أثبتت المعركة الدبلوماسية الدائرة على صعيد مجلس الأمن الدولي بشأن العراق أن الولايات المتحدة وحلفاءها في معسكر الخيار الحربي ـ بريطانيا واستراليا واسبانيا ـ باتوا الآن معزولين دولياً. لكن ما هو أجلّ وأخطر شأناً أن الإدارات الحاكمة في هذه الدول أصبحت معزولة أيضاً من شعوبها.. بانتقال التمرد الجماهيري ضدها من مستوى الشارع إلى مستوى السلطة. وربما يكون العد التنازلي صوب الحرب التي تعد لها إدارة بوش وشركاؤها قد اقترب، ولكن صار من الواضح الآن أنه كلما بدا أن ساعة الصفر تقترب كلما اتخذ التذمر العالمي والداخلي ضد معسكر الحرب زخماً جديداً ـ كمياً ونوعياً.