الخميس 10 محرم 1424 هـ الموافق 13 مارس 2003 في خريف العام الماضي حصل جيمي كارتر على جائزة نوبل للسلام. تغنت حيثيات الجائزة بمآثر الرئيس الاميركي الاسبق ونظمت قلائد المديح العصماء في مآثره وأياديه البيضاء، في خدمة قضايا السلام والديمقراطية في طول العالم وعرضه. من جانبها تسابقت مؤسسات وأجهزة الميديا الاعلامية في رسم حالات اقرب إلى القداسة تحيط بهامة السيد كارتر الذي ما برح يطل من شاشات التلفاز دون صور الجرائد بابتسامة الشيخ الاشيب الحكيم الذي يدعو إلى ان يسود المجد في الاعالي فيما تستقر دعائم المسرة والسلام بين الناس على ظهر الارض.ولان كل شيء بات نسبيا في عالم اليوم، فالحق ان جيمي كارتر لا يزال يمثل قيمة ايجابية، في مضمار السياسة الاميركية.. وأقرب وأبلغ مثال مع ذلك مقاله الذي نشره في نيويورك تايمز (عدد 9/3/2002) معترضا فيه على شن هجوم على العراق.. كذلك فالرجل ظل طيلة فترة تقاعده كرئيس اميركي سابق او اسبق يشد عصا الترحال إلى اقطار فضية. في آسيا او افريقيا او ينتقل عبر مياه الكاريبي إلى بلدان في اميركا الوسطى او اميركا اللاتينية في بعثات مراقبة دولية تصادق على حسن سير الانتخابات وتؤكد شرعية خيارات الناس لولاة امورهم في ظل مناخ معقول من سلامة الاجراءات وحرية الاختيار. كارتر .. واعظا السيد كارتر لا يفتأ يلقي على سامعيه ومشاهديه آراءه حول السلام العالمي والوئام بين الشعوب، فيما تتابعه العدسات والفلاشات وهو يمارس التجارة في مركز كارتر الذي انشأه واشرف عليه مع زوجته في ولاية جورجيا.. ربما باعتبارات التجارة حرفة سبق إلى ان اشتغل بها قديسون. بل وانبياء مرسلون. ولقد يذكر الكثيرون من متابعي ومحللي السياسة الاميركية حقيقة الظروف والملابسات التي صاحبت مجيء السيد جيمي كارتر إلى منصب الرئاسة في بلاده في النصف الثاني من عقد السبعينيات. كارتر كان حاكماً (محافظاً) لولاية جورجيا الجنوبية في الولايات المتحدة وكانت ـ ربما لا تزال ـ من اسوأ مواقع التمييز العنصري واستغلال السود في اميركا.. وحين رشح كارتر نفسه لمنصب الرئاسة عن الحزب الديمقراطي لم يكن يعرفه كثيرون في ساحة السياسة لا في العاصمة الرسمية واشنطن، ولا في نيويورك ـ عاصمة الامر الواقع.. يومها اطلقوا عليه وصفا رددته وسائل اعلام تلك الفترة يقول: الذئب الوحيد القادم من البراري ومن حقول الفول السوداني في جورجيا. حين يبتسم الحظ ولقد بدأ كارتر ولايته الرئاسية عام 1976 وقد رافقه قدر كبير من حسن الحظ اذ جاء بعد فضيحة ووتر جيت واستقالة ريتشارد نيكسون «بطل» تلك الفضيحة مشيعا بلعنات الناخبين الذين رددوا، وربما لا يزالون يرددون كلمته الشهيرة: انا لست «محتالا ولا مدلساً فيما ظلوا يصفونه بالنعور» التي شاعت في قاموس السياسة الاميركية على انه «الرجل الذي كذب على الامة». وهكذا فرشت الانحرافات «الجمهورية»، البساط الاحمر امام قيادة كارتر «الديمقراطية» لتدخل مكتب الرئاسة البيضاوي الشهير في البيت الأبيض. وتزايدت اسهم كارتر خلال السنوات الاولى من حقبته في رصيد الحظ الحسن: كيف لا وقد بهر الرئيس المصري السادات الذي ما لبث ان عقد اواصر صداقة عائلية مع كارتر وعقيلته روزالين وأفضى ذلك إلى عقد اتفاقات كامب ديفيد التي قال المحللون انها ـ في التحليل الاخير ـ اخرجت مصر بكل دورها ومسئولياتها من معادلة الصراع الفلسطيني ـ العربي مع اسرائيل وكانت تلك من مآثر كارتر ـ ان استكمل فتح «الشرق الاوسط» امام النفوذ الاميركي وكانت بوادر ذلك «الفتح» قد انجزت بزيارة سلفه نيكسون الشهيرة إلى مصر الزيارة التي احيطت عام 1974 بكل ألوان الطيف الدعائي لدرجة ان استفزت شاعرا شعبيا ـ أحمد فؤاد نجم فاذاع قصيدته التهكمية الشهيرة التي يقول مطلعها: «شرفت يا نيكسون بيه»!. وكانت الزيارة في جوهرها رسالة من التشفي الاميركي بحق الروس (السوفييت) وايذانا بعودتهم ـ بعد ان طرد السادات خبراءهم الذين كانوا في خدمة الجيش المصري وقتها ـ إلى عزلة مياههم الباردة وانحسار نفوذهم من الشرق الاوسط في كتابة هذه السطور. ورطة افغانستان وبمناسبة الروس ـ السوفييت رافق الحظ الحسن السيد كارتر ايضاً حين ارتكب الكرملين الشيوعي حماقته التاريخية الكبرى بغزو جارته افغانستان (حماقات غزو الجار ـ التاريخية دائما تدفع مغارمها الشعوب ـ تأمل مثلاً العبرة العراقية) ـ ويومها فرك القائمون على ادارة كارتر ايديهم جزلا وطربا فقد كانوا يعانون عقدة ـ ورطة فيتنام.. وادركوا ـ بيقين ـ ان افغانستان سوف تكون ورطة الكرملين. وهو ما اكدته تطورات الاحداث التي افضت ـ كما لا يخفى عليك ـ إلى زوال الكيان السوفييتي من الاساس. ظهر المجن لكن طائر الفأل الحسن الذي صاحب جيمي كارتر في البداية، وكان ان حمله على جناح الوعد إلى سدة الرئاسة في بلاده.. ثم طار به إلى حين فتح امامه ابواب الشرق الاوسط واهدى اليه مأساة انكسار السوفييت في افغانستان ـ ما لبث الطائر ان تخلى عن كارتر شخصيا فكان ان تحطمت آمال الرجل في ولاية ثانية بعد قيام الثورة الايرانية عام 1979 وتناثر هذا الحطام في صحاري ايران حين فشلت محاولات كارتر انقاذ رهائن الاميركية في طهران وحين اصطدمت العموديات الاميركية بعضها ببعض شرع السيد كارتر وأسرته في جمع حوائجهم و«ضب» حقائبهم تمهيداً لرحيل بغير عودة من بيت الرئاسة في واشنطن. من يومها ظل جيمي كارتر يقدم إلى الناس في اهاب الرجل الطيب والسياسي المتدين ـ هل نقول الرئيس المؤمن تأسيا بذلك التعبير الغريب الذي تسرب إلى قاموس السياسة العربية في مصر ـ السبعينيات وكان المراد هو تقديم كارتر بوصفه من حكماء السياسة في بلاده وفي العالم. ومن حمائم السلام وعقلاء التنمية ـ دع عنك ان يكون رمزا للآباء الطيبين دعاة حقوق الانسان. الوجه الآخر وكل هذا لا اعتراض عليه.. وان كان التحليل العلمي يقول بان السيد كارتر له في سيرته السياسية وجه آخر لا ينفق بالضرورة مع تصاوير الطيبة او النزعة السلامية التي ترتبط بداهة بسلوك الحمائم التي تحمل اغصان الزيتون. الوجه الآخر غير السلامي، وغير الحمائمي، وغير الزيتوني للرئيس الاميركي الاسبق «المؤمن» ان شئت يتجسد في المبدأ الذي اشرنا اليه في ختام الجزء الاول من هذا المبحث وهو: مذهب كارتر دراسة اميركية متخصصة يشرح هذا المبدأ ـ في دراسة متخصصة ومنشورة ـ العالم الاميركي مايكل كلير ـ وهو بالمناسبة استاذ لدراسات السلام والامن في جامعة هامشاير بالولايات المتحدة. البروفيسور كلير يقول: ـ عندما يلوح خطر يتهدد امدادات النفط المتجهة إلى اميركا من منطقة الخليج، تعمد الولايات المتحدة إلى استخدام كل ما يلزم من وسائل بما في ذلك القوة العسكرية، لضمان استمرار تدفق النفط. هذا هو المبدأ الذي سبق إلى صوغه وطرحه والتأكيد عليه الرئيس جيمي كارتر في شهر يناير من عام 1980، في اعقاب الغزو السوفييتي لافغانستان وبعد سقوط الشاه (في إيران) وقد ظل هذا المبدأ معمولا به في اطار سياسة الولايات المتحدة منذ ذلك الحين. يمضي البروفيسور كلير إلى ايضاح تطبيقات مبدأ كارتر عمليا فيعيد إلى الذاكرة المعاصرة متناسيين مناسبتين بدورهما شهدتا تطبيق المبدأ الرئاسي الذي استخدمت فيه اميركا قوتها العسكرية.. وعلى النحو التالي: ـ أولا: في الفترة من 1987 ـ 1988 حين استخدمت واشنطن القوة البحرية لحماية ناقلات النفط الكويتية من هجمات الصواريخ والزوارق الحربية الايرانية خلال حرب ايران والعراق. ـ ثانياً: في عام 1990 ـ 1991 في غمار غزو النظام العراقي لجارته الكويت ومن ثم جاء استخدام القوة الأميركية لاخراج العراق من الكويت في اطار عملية «عاصفة الصحراء». تطبيقات مبدأ كارتر بديهي أيضا أن الأمر لم ينته عند هذا الحد وها نحن نتابع مع تطورات كل لحظة، واعصابنا مرهفة مثل وتر مشدود، استعدادات الحشد العسكري الرهيب لقوات اميركا وانجلترا في مياه الخليج تحينا لفرصة الهجوم على العراق. صحيح ان واشنطن واحيانا لندن تتحدث عن حكاية التحولات الديمقراطية وحرية الخيارات الشعبية الى آخر ما تحفل به جعبة التسويق الإعلامي والتدجين النفساني من بضاعة، لكن الصحيح ايضا ان محور الاهتمام هوحكاية النفط وامداداته، والنفط وتأمين تدفقه.. ناهيك عن النفط وغزارة احتياطياته، والنفط واغراءات السيطرة على منابعه ومصادره وما قد تعود به هذه السيطرة من مزايا استراتيجية في مضمار السياسة والعلاقات الدولية، وايضا من مزايا مالية لا يستهان بها نقداً وعداً في مضمار الأسواق والأرباح والبورصات والكارتلات.. والحديث ينصب هنا على النفط العراقي على وجه التحديد. في هذا السياق يورد البروفيسور مايكل كلير عبارة موجزة تقول بغير مواربة: لقد أصبح مبدأ كارتر اليوم من الأهمية الحيوية بمكان. مصالح عليا استراتيجية بعدها يكشف الاكاديمي الأميركي عن تحركات وخطوات واجراءات قامت بها الادارة الأميركية سواد على عهد كلينتون أو عهد بوش.. وشهدتها السنوات العشر الفاصلة بين مجيء كلينتون الى الحكم عام 1991 وبين وقوع كارثة 11 سبتمبر الشهيرة عام 2001. والمعنى أنها كانت اجراءات مؤسسة تمليها في المقام الأول اعتبارات المصلحة الاستراتيجية العليا للولايات المتحدة ولا تتأثر من ثم لا. باتجاهات الحزب الحاكم في واشنطن ـ ديمقراطيا كان او جمهوريا ـ ولا بشخصية الفرد، الإنسان الذي يحمل لقب «فخامة الرئيس». يوضح الاستاذ الأميركي ما يلي بايجاز شديد. في غضون سنوات العقد الذي المحنا اليه اجرت وزارة الدفاع الأميركية توسعا ضخما في القدرات العسكرية التي تملكها الولايات المتحدة في منطقة الخليج وفي اطار خطة التوسع تلك اضافت واشنطن المزيد من القوات الجوية والبحرية المرابطة في المنطقة وهيأت مواقع مسبقة للاسلحة والذخائر والاعتدة المختلفة التي تحتاجها قوة برية مدججة بالسلاح. هذه القدرات العسكرية الأميركية تمت الافادة منها تماما، وبكل عناصرها، خلال الهجوم الذي شنته القوات الأميركية في خريف عام 2001 على قوات القاعدة في افغانستان. واصلت واشنطن بيع منظومات الاسلحة المتطورة وبقيمة مليارات الدولارات الى النظم الصديقة في المنطقة. اشارت إدارة بوش منذ أحداث سبتمبر 2001 إلى انها ترى ان الخطر انما يأتي من مصدرين اساسيين أولهما هو تنظيم القاعدة والثانية هو العراق. بالنسبة لتوقعات المستقبل يرى واضعوا الاستراتيجية الأميركية ان لواشنطن دوراً مهما،ان لم يكن حيويا ـ حيث ضمان زيادة تدفق النفط من الشرق الأوسط بحيث يتواءم مع الطلب المتزايد على هذه السلعة الاستراتيجية داخل السوق الأميركية والدولية مع العمل في الوقت نفسه ـ وكما يوضح البروفيسر كلير ـ على حماية المنطقة من اضطرابات داخلية، قد تؤدي بالطبع إلى زعزعة الاستقرار وتعطيل تدفق الامدادات. في هذا المقام بالذات يتوقف الاستاذ الأميركي ويتوقف معظم محللي السياسات في اميركا وغيرها عند السعودية: انها ـ كما يضيف مايكل كلير ـ تحوى 25 في المئة من احتياطيات العالم المعروفة. تقدر بنحو 265 مليار برميل بالتمام والكمال وهي بهذه الصفة قادرة على اشباع الطلب النفطي في اميركا والعالم. هذا الرهان النفطي من هنا يراهن المختصون على ضرورة ان يتضاعف ناتج الرياض النفطي على مدار السنوات العشرين المقبلة اي من 4,11 مليار برميل ليصبح 1,23 مليار برميل يوميا من أجل تلبية احتياجات العالم المتزايدة من النفط (حسب تقديرات وزارة الطاقة الأميركية المنشورة في دراستها عن مستقبل الطاقة في عام 2001). ومن عجب ان هذا الرهان النفطي معناه ان يزيد انتاج الرياض المشار إليه إلى حجم يكاد يكافيء الانتاج الحالي لكل من اميركا وكندا مجتمعتين (!) وهو ما يشكل، في رأي دراسة البروفيسور مايكل كلير، تحديا لايستهان به ويتمثل في ضرورة رصد مليارات من الدولارات لتفعيل هذه التوقعات من جهة، اضافة الى ما يتطلبه هذا الرهان النفطي من امكانات تقنية وايضا من تحديات في مجال السياسات الاستراتيجية والعلاقات الدولية وربما توازيه القوى في منطقة الشرق الأوسط، مما بات يستدعي أكثر من تساؤل في الدوائر المعنية بهذه القضايا. ـ هل تتوصل واشنطن والرياض الى تفاهم منتج واتفاق شريف وعلاقة ندية متكافئة لتحقيق مثل هذه الأهداف؟ الصداقة أو القوة العسكرية لقد أدلى الاستاذ كلير بهذه الملاحظات في دراسته التي نشرها منذ عام ـ بالتحديد في مارس عام 2002 ـ واهتم فيها بالاشارة الى ضرورة ان تلتمس واشنطن انشاء علاقات ودية (!) مع كل من بغداد وطهران.. كان يتوقع بل كان يراهن في العام الماضي على ان اي تغير في الاوضاع السياسية بأي من العاصمتين من شأنه ان يتيح دوراً اميركيا للتوسع في استغلال الاحتياطيات النفطية في كل من البلدين.. ومن هنا كانت اشارته الى حكاية العلاقات الودية وضرورة بذل جهود لتحقيقها. كان السؤال وقتها بديهيا بدوره: ـ فماذا لو فشلت الجهود في سبيل حكاية «الودية» هذه؟. ولم تقصر الدراسة الأميركية في ايراد الجواب فقالت بالحرف: إذا فشلت تلك الجهود، فان الولايات المتحدة على استعداد للرد على اي تحركات عدوانية قد يقدمان عليها مستخدمة في ذلك الثقل الكامل لقوتها العسكرية.. و.. هكذا نستدعي الماضي القريب كي يفسر جوانب الواقع الراهن المعاش.. لكن الشأن ـ الهاجس النفطي لا يتوقف بالنسبة لاميركا عد الشرق الأوسط بكل مشاكله وتعقيداته. الأمر يتعدى الى واقع ومستقبل الطاقة في حوض بحر قزوين.. فالى الجزء الأخير ان شاء الله. ـ كاتب سياسي من مصر