الخميس 10 محرم 1424 هـ الموافق 13 مارس 2003 تصلح الملاحظات التي دوناها البارحة على الهيئة التي تظهر عليها معارض الكتب المدرسية لتكون مقياسا على الذوق السائد لدى جمهور القراء، وعلى مدى توفر الوعي او انتفائه بقضايا الحياة العامة لدى شرائح المجتمع في ظل انتشار الثقافة الضحلة التي تروج لكتب السحر والدجل، وتوسع دائرة نشاطها لاصدار عشرات الطبعات من كتب الابراج وتفسير الاحلام، الامر الذي يستدعي التعجب والانكار على هذا الصمت المرعب ازاء التمدد الطفيلي لهذه الكتب على حساب الكتب الاخرى الجيدة المحتوى والتي زاحمتها الكتب الرديئة وتغلبت عليها من حيث الانتشار والتداول في ايدي الناس. ولقد انتجت هذه الكتب الرخيصة قراء سذجاً انتفت لديهم القدرة على الخروج من دائرة الوهم والخيال المريض، وحولتهم الى اشخاص سلبيين غارقين في بحر من الوساوس والاحزان يعيشون في عالم الاحلام اكثر من عيشهم في عالم اليقظة، مما افقد الأمة جزءا كبيرا من عافيتها، وأضعف من قدرتها على السير الى الأمام. واللافت حقا ان محاولات تغيير هذه الصورة القاتمة لواقع القراءة في عالمنا العربي اليوم تعتبر بدائية ولا ترقى الى مستوى التحدي الذي يعكس الانهيار الحاصل في المفاهيم والرؤى والافكار!! النوع الثاني من الكتب المنتشرة في المكتبات التجارية هو الكتب التي تعرض لعلامات الساعة وخروج الدجال وعذاب القبر. وهذه الكتب تحظى برواج شديد، ويقبل عليها القراء من شتى الأعمار ويحتفون بها احتفاء ملحوظا مما يستوجب ان نسجل بعض الملاحظات التنبيهية حول طبيعة الدور الذي بامكانها ان تؤديه للقارئ المسلم. ان الميزة الأهم في هذه الكتب المتداولة في المجتمع العربي انها (كتب تأسيسية) تجيب عن تساؤلات حول بعض القضايا الغيبية وتشبع الرغبة في التعرف على الغيب من المنظور الاسلامي خاصة وان الدين الحنيف فصّل في هذه القضية وقدمها على صورة لا تحتمل التأويل ولا تدع مجالا للظنون والتكهنات في عالم الغيب الذي اختص بمعرفته الخالق عز وجل. ورغم القيمة الايمانية لهذه الكتب التأسيسية واثرها الملحوظ في دعم رصيد المؤمن من المعلومات حول اليوم الآخر وعلاماته التي بينها الشارع الحكيم الا ان ما يلاحظ على الكثير ممن ألفوا قراءة هذه الكتب انهم لم يعودوا قادرين على التحول عنها الى غيرها من الموضوعات، سواء كانت في الثقافة الاسلامية او الثقافة العامة مما يضعف من صلة القارئ بواقعه، ويجعله على هامش الحياة بعد ان وضع ستاراً كثيفا على عقله، وامتنع عن الانطلاق في اجواء المعرفة الانسانية واكتشاف الحياة من حوله. ومن المؤسف ان يعتقد فريق من قراء هذه الكتب انهم قد حازوا السبق العلمي، وحققوا الاكتفاء الذاتي من المعرفة والعلم بمجرد حفظهم لبضع آيات واحاديث حول الساعة وعلاماتها الكبرى والصغرى، وقراءة عشرات الاوراق في تفسير تلك الاحاديث والآيات!! ان خطورة هذه المفاهيم القاصرة على شخصية المسلم انها تقلص من فاعليته الى الحدود الدنيا والسبب هو الخلط الشديد في فهم المراد من اهتمام الاسلام بعرض تفاصيل يوم القيامة وبيانه لعلامات الساعة فالاسلام لا يهدف الى تنويم عقول اتباعه واقصائهم عن الحياة، وجرهم الى عالم الغيب دونا عن عالم الشهادة، انما يهدف الى حماية سلوك المسلم من الجنوح نحو الخطأ اذا ما اتضحت مسئوليته المباشرة عن افعاله واقواله، ورأى انه محكوم بشريعة ترعى القيم والاخلاق وتحاسب من يجترئ عليها كائنا من كان. أين هذه الايجابية التي رنا اليها الاسلام من تشرنق فئة قراء الموضوعات التي تبحث في علامات الساعة وعذاب القبر، وادعائهم انهم قد بلغوا المنزلة السامية من العلم والعمل بالمطالعة المجردة في جانب واحد من جوانب الثقافة الاسلامية الزاخرة بمختلف انواع العلوم والمعارف. ترى هل تصلح المعلومات البسيطة التي تتأتى للقارئ في هذه الموضوعات لتحقيق التكامل المعرفي والارتقاء بفكره على نحو يؤهله للتأثير الايجابي في المجتمع من حوله؟ أليس التشبث بقراءة هذه الموضوعات دون غيرها من شأنه ان يحرم القارئ من معرفة قضايا الساعة التي تشرح الواقع وتشخصه في الوقت الذي هو بأمس الحاجة الى التعرف عليها واتخاذ مواقف علمية وموضوعية إزاءها؟ ان الثابت ان هجر القراءة الجادة ومقاطعة مصادر المعرفة المعاصرة هي علامات على ضمور العقل وضعف التفكير.