الاربعاء 9 محرم 1424 هـ الموافق 12 مارس 2003 حين يجن الليل أتذكرك.. أتمنى لو كنت هنا كي أطمئن فلا يخيفني عواء الذئاب ولا صفير الريح. بحاجة إليك أنا.. بحاجة لأنفاسك الندية، وزندك المفتول، وارادتك القوية.. بحاجة لرائحة عباءتك.. لصوتك حين تزأر.. كان صوتك ذات يوم يطمئننا بأنك يقظ كي ننام ملء عيوننا، وقوي فلا نخاف من ضعفنا. كيوسف في الأساطير الشعبية أنت، تجر عصاك فتفجر الأرض ينابيع ماء وثورة.. تزرعها كبرياء وعزاً.. نتذكر حضورك الآن مهاباً عزيز الجانب حتى في ذروة انكسارك.. أما أبطالنا اليوم فأذلة في عز انتصاراتهم، قصار القامة، عديمو الهمة، مسلوبو الإرادة.. هذا لأنك غبت. في حضورك كانوا شيئاً آخر. أي كهف احتواك، وأي موت ذاك الذي أحاط بك؟ قل لي ماذا أمات فيك؟ فبأنفاسك وحدها كنّا قادرين على أن نميت الموت. قل لنا يا سيد انك تختبيء وراء الباب.. أو انك اتخذت لون النسمات لجلدك كي لا نراك.. قل لنا انك هنا، تراقبنا أو تسخر منّا.. ترمقنا بنظرتك أو تشيح بوجهك عنّا.. تحبنا أو تكرهنا.. المهم انك ما زلت هنا، وان دمك لا يزال ساخناً، وعطرك لا يزال فواحاً. قل لنا انك قريب منّا.. ستكسر الصمت يوماً وتصرخ.. وتشق الحجب يوماً لتحضر فينا أو معنا.. المهم أن تحضر يوماً بنا أو بدوننا. ـــ عام 1855 اقتحم نيكاراغوا قاطع طريق أميركي يدعى وليام ووكر ومعه عدد من أفراد عصابته، وكان من العجيب أن أعلن نفسه رئيساً للبلاد.. وحينما استرد أهل نيكاراغوا بلادهم، عاد الأميركيون من جديد للتسلل على نحو غير مباشر عن طريق رؤوس أموال الشركات الاحتكارية التي سيطرت على النقل البحري واحتكرت انتاج البلاد من الفواكه. وفي عام 1912 استغل الأميركيون فرصة وقوع اضطرابات في الجمهورية الصغيرة فاحتل جيشها البلاد احتلالاً صريحاً حتى عام 1926 وفرضت عليهم اقامة قواعد عسكرية تضمن احكام السيطرة على نيكاراغوا، غير ان البلد الصغير لم يستسلم، بل واجه هذا التدخل السافر بمقاومة عنيفة وخاض حرب عصابات مريرة ضد المحتل. وتولى قيادة جيش التحرير رجل يدعى أوغستو ساندينو، وتمكن الرجل الذي تحول إلى بطل شعبي من هزيمة جيش الاحتلال في حرب غير متكافئة، غير ان الأميركيين دبروا له مؤامرة انتهت باغتياله على يد أحد صنائعهم عام 1934 ونصبوا قاتله أنا ستاسيو سوموسا رئيساً للجمهورية. وعلى مدى نحو 50 عاماً تداول هذا العميل حكم البلاد مع ابنيه من بعده حتى أطاحت بحكم الأسرة ثورة شعبية قامت بها الجبهة الساندينية. بحاجة نحن إلى التاريخ الآن أكثر من أي وقت مضى.. ليس تاريخنا نحن فقط، وإنما تاريخ كل المستعبدين الذين تحرروا والقوى المستبدة التي دالت، فقد ذهب كل قادة الغزو إلى الجحيم وبقيت أسماء ساندينو وسيمون بوليفار وتشي جيفارا وجمال عبدالناصر ومارتن لوثر كينغ.. بقيت هذه الأسماء لتلهمنا كيف يكون النضال ضد المحتل مهما كان قوياً وكنّا ضعفاء. ـــ هل نحن في حاجة إلى بطل شعبي فرد مثل الزير سالم أو أبو زيد الهلالي سلامة أو عنترة العبسي، أم ترانا بحاجة الى أن تكون الشعوب ذاتها هي البطل. البطل الفرد يصلح لحل اشكاليات بسيطة وعارضة.. أما نحن في هذا الظرف التاريخي فنحتاج إلى معجزة، والأفراد مهما أضفينا عليهم من هالات أسطورية لا يستطيعون حل معضلاتها.. فهذه المعضلات تمثل حقائق واقعية أضخم من أي أسطورة. البطل الشعبي يجسد طموح أمم تحلم بهزيمة جلاديها، ومهمته هي الكشف عن الطريق المؤدية للنجاح وإن كانت وعرة. أما نحن فمهزومون من داخلنا قبل أن يهزمنا الجلادون، وطرق النجاح نعرفها جيداً، ونحن الذين وضعنا عليها ألف متراس. وإذا كان الأبطال الشعبيون القدامى حملوا سيوفهم ورماحهم ليهزموا الأعداء طعناً وضرباً لأعناقهم، فإن البطولة الآن ينبغي أن تستعيض عن السيوف والرماح بالتكنولوجيا والعلم. لن نهزم الأعداء إلا بعقولنا وأفكارنا. ولن ننتصر على ضعفنا وذلتنا إلا لو دربنا أنفسنا على التفكير الخلاق.. تفكير في الهواء الطلق يفتح النوافذ المغلقة ويمنح العقول المتحجرة فرصة أن تخرج من المحارات الضيقة لتنمو في فضاءات أوسع وأرحب. ـــ يورد نعوم تشومسكي في كتابه «قراصنة وأباطرة» حكاية تقول ان قرصاناً وقع في أسر الاسكندر الأكبر، فسأله الاسكندر: كيف تجرؤ على ازعاج البحر؟ كيف تجرؤ على ازعاج العالم بأسره؟ أجاب القرصان: لأني أفعل ذلك بسفينة صغيرة فأدعى لصاً أما أنت الذي يفعل ذلك بأسطول ضخم فتدعى امبراطوراً. ما هو الفارق بين وليام ووكر قاطع الطريق الأميركي الذي اقتحم نيكاراغوا عام 1855 وجورج بوش الذي يتأهب لاقتحام العراق عام 2003؟ يستوي الاثنان في قطع الطريق. فالأول نصّب نفسه رئيساً، والثاني ينوي تنصيب أحد تابعيه. الأول غزا بسفينة قرصنة صغيرة، والثاني يغزو بأساطيل وأقمار صناعية وقاذفات ثقيلة وميديا جبارة وتابعين كثر. لماذا نسمي الأول قاطع طريق ولا نسمي الثاني كذلك؟ وهل من العقل والحكمة أن ندعي صداقة قاطع الطريق، بينما ندفع له الجزية ونحن صاغرين؟ أم نسمي الأشياء بمسمياتها ونصف واقعنا توصيفاً صحيحاً حيث ان توصيف المرض يمثل نصف الشفاء. حتى ذلك التوصيف نحن عاجزون عنه، ما دام ذلك البطل الذي توجهت إليه بخطابي في بداية المقال غائباً.. كيف تأوي النخبة إلى جبل اسمه الشعب، فيما يتطلع المرء يميناً ويساراً، من أمامه ومن خلفه فلا يرى غير الفراغ المميت. هل أنا وأنت اللذان لا نرى؟ أم ان ذلك البطل الغائب لم يعد له وجود إلا في خيالاتنا؟ إذا كان موجوداً متى يخرج من كهفه.. أو يميت موته، فهو «إن لم يدركنا الآن فلن يدركنا بعد» كما أنشد يوماً صلاح عبدالصبور