الاربعاء 9 محرم 1424 هـ الموافق 12 مارس 2003 زيارة تاريخية زيارة الشراكة الاستثنائية، زيارة المصالحة.. هكذا وصفت وسائل الاعلام المختلفة الفرنسية منها والجزائرية زيارة الرئيس الفرنسي جاك شيراك الى الجزائر، حيث خرجت مئات الآلاف من الجزائريين سواء في العاصمة الجزائر او مدينة وهران لاستقبال شيراك. الزيارة كانت استثنائية وتحمل عدة دلالات ومعاني نظراً للإرث التاريخي الذي يجمع البلدين وخاصة لمليون ونصف المليون جزائري الذين ضحوا بأرواحهم للتخلص من الاستعمار الاستيطاني الفرنسي، الامر الذي دفع بالرئيس الفرنسي والرئيس الجزائري للتأكيد على عدم امكانية نسيان الماضي، فالماضي الذي جمع الجزائر وفرنسا لا ينسى ولا يمحى، لكن هذا لا يعني ان هذا الماضي يمنع الجزائر وفرنسا من التعاون والشراكة الاقتصادية والتجارية والثقافية. ما يجمع بين الجزائر وفرنسا ليس فقط الاستعمار وأرواح الشهداء وحرب دامت سبع سنوات ونصف وانما هناك اشياء اخرى كثيرة بإمكان البلدان استغلالها للمنفعة والمصلحة المتبادلة. شاءت الاقدار بعد 173 سنة ان يلتقي الرئيس الفرنسي جاك شيراك بالنواب الجزائريين في مجلس الامة والمجلس الشعبي الوطني في ذات المكان الذي دخلت منه القوات الفرنسية لاستعمار الجزائر سنة 1830 كان ذلك الاسبوع الماضي بقصر الامم بنادي الصنوبر بسيدي فرج اثناء أول زيارة رسمية يقوم بها رئيس فرنسي الى الجزائر. زيارة شيراك الى الجزائر بعد اربعين سنة من استقلال هذه الاخيرة تثير عدة تساؤلات من اهمها لماذا هذا التأخير؟ وما هي آفاق التعاون والشراكة بين البلدين؟ ولماذا الفتور والبرود والمد والجزر في العلاقات بين البلدين؟ ولماذا الموقف السلبي الفرنسي من الاحداث الارهابية التي عاشتها الجزائر خلال العشرية الماضية؟ ولماذا هذه الزيارة في هذا الوقت بالذات؟ شراكة استثنائية اجتمعت الشروط من الجانب الجزائري ومن الجانب الفرنسي للتقارب ولطي صفحة الماضي والنظر بعين ثاقبة واستراتيجية نحو المستقبل، فمن الجانب الجزائري لعب الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة دوراً محورياً لاخراج الجزائر من عزلتها وتبني استراتيجية براغماتية تتمثل في تكثيف علاقات صداقة وحسن الجوار مع دول مثل ايطاليا واسبانيا وروسيا ودول اخرى. الرئيس بوتفليقة اكد في العديد من المرات نيته الخالصة في التقرب من فرنسا من خلال زيارة رسمية الى باريس سنة 2000 ومن خلال حضوره مؤتمرات فرنسا وافريقيا ومؤتمر الفرنكوفونية في بيروت السنة الماضية، الامر الذي لم يحدث نهائياً في تاريخ الجزائر منذ استقلالها، فبوتفليقة بمجيئه الى الحكم اخترق عدة تابوهات وانتهج سياسة واضحة لاستدراك ما فات الجزائر خلال عشرية سوداء عزلتها وجردتها من مكانتها الجيواستراتيجية افريقيا وعربيا وكذلك على مستوى مجموعة الـ 77 ودول عدم الانحياز. من الجانب الفرنسي تتوفر فرنسا هذه الأيام على رئيس دولة له وزنه وقوته في السلطة وفي البرلمان الفرنسي وفي صناعة القرار، الامر الذي كان يفقتده في ولايته الاولى حيث كانت مقاليد صناعة القرار تتمركز في يد ليونال جوسبان والاشتراكيين الذين كانوا يطبقون سياسة تهميش واقصاء وازدراء للسلطة في الجزائر، وكانوا يؤمنون بمقولة «من يقتل من» ويتهمون السلطة والجيش في ارتكاب الاعمال الارهابية في الجزائر. وتاريخ الاشتراكيين الفرنسيين والجزائر مليء بالحقد والسلبية عبر التاريخ. من جهة اخرى ادركت فرنسا في الاخير انها لا تستطيع ان تقدم الجزائر بخيراتها وثرواتها وغازها وبترولها لأميركا وتنسحب وهي على بعد ساعة واحدة من الجزائر العاصمة، وفرنسا تدرك جيدا ان الجزائر بموقعها الجيواستراتيجي هي بوابتها للقارة السمراء وللدول العربية. فرنسا اذن بحاجة الى اتحاد مغاربي قوي تجمعه علاقات صداقة وتعاون مع فرنسا، حتى يتسنى لها سحب البساط من تحت اقدام الاميركيين وابطال مبادرة «ايزنسدات» التي تريد أميركا من خلالها بسط نفوذها بقوة في شمال افريقيا. اعلان الجزائر تكللت زيارة شيراك الى الجزائر بما يسمى بـ «اعلان الجزائر» وهو عبارة عن معاهدة اقتصادية وسياسية وثقافية واجتماعية بين البلدين، حيث يحتوي الاعلان على أربعة محاور تتمثل فيما يلي: اقامة حوار سياسي منتظم بين البلدين وتنظيم قمة فرنسية جزائرية بصفة دورية وبواقع مرة كل سنة للتباحث والتشاور في القضايا والمواضيع ذات الاهتمام المشترك بين البلدين. كما يهدف الاعلان الى تعزيز التعاون الثنائي في خدمة الاصلاحات في الجزائر واقامة علاقة اقتصادية متينة بين البلدين مبنية على المساواة والتكافؤ والمصلحة المتبادلة. من بنود اعلان الجزائر كذلك التعاون الثقافي والتقني والعلمي المتطور والذي يشمل مجال التعليم وخاصة التعليم العالي والبحث العلمي. ومن أهداف الاعلان كذلك تحسين ظروف تنقل الاشخاص بين البلدين حيث تعهدت فرنسا بفتح القنصليات التي اغلقتها ابان العشرية السوداء وكذلك المراكز الثقافية وان تتكفل بجدية ومسئولية بمطالب الجزائريين الذين لديهم أهل واقارب بفرنسا ونفس الشيء تلتزم به الجزائر بشأن الفرنسيين ذو اصل او مولد جزائري. زيارة شيراك للجزائر وهي اول زيارة رسمية لرئيس دولة فرنسي للجزائر بعد اربعين سنة تجسد نية الجزائر وفرنسا في بناء شراكة استراتيجية تقوم على العلاقات الانسانية والثقافية والصلات ونقاط التلاقي العديدة التي تربط بين البلدين. لقد ادرك البلدان ان تقديراتهما كانت خاطئة وانه حان الوقت لمصالحة شاملة بينهما واقامة علاقات ثقة وصداقة واحترام وتعاون متينة ومميزة في جميع المجالات و«بناء شراكة فريدة بين البلدين». التقارب بين فرنسا والجزائر انتصار للجزائر بالدرجة الاولى وللرئيس بوتفليقة الذي استطاع ان يعود بالجزائر الى موقعها الحقيقي سواء على المستوى المغاربي او المتوسطي او الافريقي كما يعطي هذا التقارب بعدا جديدا للشراكة الأورومتوسطية ولمبادرة «النياد». وفي ظل هذا الجو المتفائل والايجابي وفي ظل الفرحة والابتهاج والاستقبال الفريد من نوعه الذي خص به الشعب الجزائري الرئيس شيراك سواء في الجزائر العاصمة او في وهران سؤال شأنك يطرح نفسه هو كيف ينجو المستقبل الجزائري الفرنسي من التاريخ؟ يبقى الملف التاريخي الجزائري الفرنسي ملف حساس حيث ان الجزائر مستعدة لطي صفحة الماضي وفتح أبواب جديدة للشراكة الاستراتيجية في جميع المجالات بينها وبين فرنسا لكن الجزائر لا تقبل بأي حال من الأحوال ان تفرض عليها فرنسا عودة «المعمرين» والخونة واليهود. وحتى إذا وافقت السلطة الجزائرية فإن الشارع سيرفض هذا الاجراء جملة وتفصيلاً وقد تتسبب هذه المقايضة ـ «المعمرين» والخونة واليهود مقابل الشروع في الشراكة والاستراتيجية الاستثنائية مع الجزائر ـ الى زلزال اجتماعي وسياسي قد يؤثر سلباً على استقرار البلاد وعلى نجاح الاستراتيجية الاستثنائية بين البلدين قبل الشروع فيها أصلاً. ولهذا يجب ان تكون الامور واضحة منذ البداية، ويجب احترام ذاكرة البلدين وليعلم الطرفان ان ما يجمعهما اكثر بكثير مما يفرق بينهما، اذا توفرت الإدادة والعزيمة والاحترام المتبادل. ـ كلية الاتصال ـ جامعة الشارقة