الاربعاء 9 محرم 1424 هـ الموافق 12 مارس 2003 توقف المترجمون خلال الملاسنة بين وفدي العراق والكويت ثم نظر بعضهم الى بعض ومدوا ايديهم بطريقة، آلية الى قناني الماء التي امامهم وكرعوها دفعة واحدة، فقد جفت حلوقهم وتسارعت دقات قلوبهم وانتظروا نتيجة المعركة، وحمدنا الله على انهم توقفوا عن الترجمة على الهواء مباشرة والا لكانت مصيبة. خلال قراءتي لصحيفة اجنبية تطرق مراسلها في الدوحة الى المشادة ثم ترجم حرفيا ماقيل حتى (ابوشاربك) كانت مترجمة وكل الكلمات التي سبقتها وتلتها. نملك في عالمنا العربي مخزونا هائلا من الحقد والكراهية على بعضنا ولكننا نملك قليلا من الحكمة وبعد النظر. لا يختلف اثنان على ان النظام العراقي بعيد عن الديموقراطية وانه ارتكب اخطاء كان من الواجب ان يودي قليل منها به، وحزب البعث بتركيبته الحالية لايرضى بالنقد ولن يسمح بأي هامش من الحرية لشعبه، فقد استلم السلطة بسفك الدماء ولن يتخلى عنها طوعيا، وملفه في العنف السياسي تضخم حتى اصبح يشكل عبئا عليه يعوق تراجعه او منح الاخرين فرصة لفتحه ومحاسبته عليه. من جهة اخرى تعاملت الكويت مع ازمة الغزو باستخدام الكثير من الاوراق للضغط باتجاه عدم رفع الحصار، ولوحت كثيرا بورقة الاسرى والمفقودين حتى غدا الحديث عنها في اوساط الكويتيين دلالة على الولاء السياسي وفي اوساط غيرهم نفاقا ممجوجا واضحا للتقرب والحصول على الدعم. لقد كانت مواقف المثقفين الكويتيين بمجملها واضحة في عدم القبول بكل ماهو عراقي حتى قال احدهم : لو ان بيدنا وقف الهواء القادم من الشمال لفعلنا. عندما بدأت بعض المحطات الفضائية العربية ببث برامج وثائقية واخبارية تعكس معاناة الشعب العراقي جراء الحصار، دفعت الكويت الكثير من الاموال وضغطت على تلك المحطات لبث برامج تعكس معاناة ذوي الاسرى والمفقودين، ولكن المقارنة بين المعاناتين شاسعة. بعد تحريرها ارسلت الكويت معونات انسانية الى جنوب العراق وصورتها واستخدمتها بكثرة في وسائلها الاعلامية وغيرها فذهبت المنة بالحسنة ومحقتها. جلست مع عراقيين عربا وأكرادا سنة وشيعة مسلمين ومسيحيين وكان هناك اجماع بين هؤلاء على الدور الذي لعبته الكويت في معاناتهم، وقد لايكون هذا صحيحا ولكنه حقيقة ماثلة امامنا يجب التعامل معها. قد يخالفني الكثير فيما اكتب ولكن تشفع لي رغبتي في وضع يدي على مشكلة يجب ان نعترف بوجودها ورغبتي الحقيقية في ان ارى مخزون الكراهية بين الشعبين قد اختفى وحل محله جميل عيش وطيب جيرة. سيذهب النظام العراقي لاشك عندي في ذلك، وسيحل محله اخر يرغب في فتح صفحة جديدة مع جيرانه، ولكن يجب ان لاينسينا طعم الفرحة مر الحقيقة، فكل بيت عراقي قدم قربانا خلال فترة الحصار القاسي قد يكون طفلا او شيخا او عزيز مال، وما تراكم في صدور العراقيين من جرائه قد يكون اكبر مما يتخيله الكويتيون، ومحو الذاكرة يحتاج الى عمل دؤوب صادق لا تشوبه منة ولا يلوثه لمز او همز. تستطيع الكويت بما حباها الله من خيرات ان تشيح بوجهها وتلوي عنقها وتغلق حدودها ولكن قادم الايام مثقل بالمتغيرات، وان يكون لك جار يحبك وتحبه خير من جار يلعنك وتلعنه. ـ رئيس تحرير «الجزيرة نت»