الاربعاء 9 محرم 1424 هـ الموافق 12 مارس 2003 بعد الزيارة التي قام بها الرئيس الفرنسي جاك شيراك الى الجزائر قبل أيام قليلة، تساءلت وسائل إعلام عديدة عما إذا كانت المصالحة الفرنسية ـ الجزائرية الحالية، تبلغ مستوى المصالحة الفرنسية ـ الألمانية التي تمت عام 1963، أم هي مجرد خطوة في هذا الاتجاه؟ وبرغم إقرار المراقبين بان زيارة الرئيس شيراك حققت نجاحاً كبيراً، على المستويين الرسمي والشعبي، إلا ان اي إجابة موضوعية على التساؤل المطروح ينبغي ان تأخذ بعين الاعتبار ثلاثة أمور اساسية:الأول، حجم القضايا التي مازالت عالقة بين البلدين ويتعين عليهما معالجتها والوصول الى اتفاقات كاملة في شأنها. والثاني، المشاكل الأمنية والاقتصادية والسياسية التي تواجهها الدولة الجزائرية وتؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر على وضعها الداخلي وعلى ارتباطاتها الخارجية. والثالث، الظروف الإقليمية والدولية الراهنة وما تشكله من ضغوط على علاقات البلدين، سواء بصيغتها الحالية أو بما يمكن ان تحققه من تطور في المستقبل. وفي الواقع، فان العلاقات الجزائرية ـ الفرنسية شهدت تجاذبات متفاوتة في حدتها وهدوئها على مدى العقود الماضية التي اعقبت استقلال الجزائر عام 1962، وسط محاولات مستمرة من الجانبين للانتقال من حالة العداء الطويل المستحكم، الى علاقات طبيعية تقوم على قاعدة المصالح المتبادلة من جهة، والتعاون في القضايا التي تتطلب جهوداً مشتركة من جهة ثانية. فهناك ما يقرب من ثلاثة ملايين جزائري يعيشون في فرنسا، كما ان الجزائر تعتبر الشريك التجاري الأول لفرنسا. وثمة حركة تنقل واسعة بين البلدين بحكم طبيعة المصالح المتداخلة بين الطرفين، على الرغم من القيود التي تفرضها السلطات الفرنسية على دخول الجزائريين إلى فرنسا، خصوصاً في ظل الظروف الأمنية السيئة في الجزائر وتفاقم مشكلة الارهاب على نحو لا يهدد المجتمع الجزائري وحده بل يشمل دول الجوار كلها، لاسيما تلك التي تحتضن جاليات جزائرية كبيرة. وقد دلت ردود الفعل الصادرة عن الطرفين، في مناسبات وظروف مختلفة، على ان العلاقة الجزائرية ـ الفرنسية تفتقد الى الثقة المتبادلة، وهي العامل الضروري الذي يساعد في التغلب على المشكلات الطارئة، وفي التخطيط لتعاون مستقبلي طويل ومستقر. وفي الوقت الذي بلغ التعاون الامني مستوى عالياً بين الجانبين، لاسيما بالنسبة لمواجهة شبكات التخريب والارهاب التي مدت نشاطها إلى الأراضي الفرنسية، والى العاصمة باريس بالذات، في كثير من الاحيان، إلا أن الحذر ظل مسيطراً على السياسة الفرنسية الخاصة بالانفتاح الاقتصادي والاستثمار في الجزائر وبكل أوجه الدعم التي تتطلبها عملية إصلاح المؤسسات الجزائرية. كذلك ظلت الشئون المتصلة بالتسلح الجزائري وبدعم الجيش، تخضع لقيود وضوابط شديدة من قبل الحكومة الفرنسية. أولاً بسبب ما يؤخذ على المؤسسة العسكرية الجزائرية من انتهاك لحقوق الإنسان في الجزائر، وهي المسألة التي ظلت تثير اشكالات دائمة بين البلدين. وثانيا، نتيجة لخلاف رئيسي بين الطرفين حول كيفية إعادة بناء القوات المسلحة الجزائرية وتحديثها، ثم تحويلها من قوة لها مواصفات ومهمات امنية داخلية فقط (كما هو الحال الآن)، إلى جيش محترف، وإعادة تسليمه على هذا الأساس. ويتفق الجانبان على أن هذه المسألة بالغة الصعوبة والتعقيد، ومعالجتها تحتاج، ربما الى ظروف اخرى مختلفة. عقبات كثيرة ويقول المحللون ان المحاولات التي بذلت خلال السنوات الماضية لارساء علاقات جديدة وثابتة بين البلدين اصطدمت بمجموعة من العقبات، ابرزها: ـ أولا: استمرار المواجهات المسلحة وانعدام الأمن في الجزائر، ومع ان ذلك ناشيء عن اصرار الحركات المتطرفة في الجزائر على مواصلة نشاطاتها المسلحة، إلا أن ثمة من يتهم قوى نافذة في المؤسسة العسكرية الجزائرية بتعمد اطالة المواجهات لتحقيق مكاسب خاصة، فضلا عن التأثير على القرار السياسي في البلاد، وقد ساعدت بعض الكتب التي اصدرها عسكريون جزائريون سابقون لجأوا الى فرنسا، على تعزيز هذا الانطباع لدى الرأي العام الفرنسي. لذلك ركزت الحكومة الفرنسية في حواراتها مع المسئولين الجزائريين، على ضرورة تغلب المنطق السياسي والوسائل الديمقراطية في معالجة المعضلة الأمنية، لأن توسل القوة المسلحة وحدها في هذا الشأن لا يحل المشكلة، بل يؤدي إلي اطالتها فقط. وبرغم اختلاف وجهات النظر بين المسئولين في البلدين حول حقيقة هذه المسألة، الا ان الجانبين اتفقا على أن استمرار الاضطرابات يمنع الشركات الفرنسية من تحويل استثماراتها الى الجزائر او المساهمة الفاعلة في المشروعات الجزائرية الكبرى. لكن النظام الجزائري بات يشعر الآن بانه استطاع ان يربح معركة الأمن في البلاد، على الرغم من وقوع حوادث متفرقة بين الحين والآخر. ويعتقد المسئولون الجزائريون بان هذا التحسن ـ كما يرونه ـ سيؤدي الى تحقيق مزيد من الاستقرار في البلاد، كما سيقود إلى تطور اقتصادي ينتج عنه، بالضرورة، تحسن الظروف السياسية والاجتماعية. ـ ثانيا: التباطؤ في تحقيق الانفتاح الاقتصادي، ان هذه المسألة تحتل أولوية لدى المسئولين الجزائريين في الوقت الحاضر كما يؤكدون في محادثاتهم مع المسئولين الفرنسيين. ويتبين مما يحدث في الجزائر على هذا الصعيد حاليا ان النظام الجزائري يحاول تحرير الاقتصاد وتحويله من اقتصاد موجه الى اقتصاد السوق، ولكن مع الحفاظ على دور، ولو محدود، للدولة، تجنبا لإلحاق أضرار كبيرة بالشرائح الاجتماعية الفقيرة وذات الدخل المحدود إذا ما حصل انفلات في القطاعات الاقتصادية الرئيسية، على غرار ما حدث في العديد من الدول ذات الانظمة المماثلة. ومع ان هذه المسألة تبدو مفهومة ولها اسبابها الموضوعية بالنسبة للجزائريين، إلا أن المشاكل التي رافقتها وترافقها أدت الى تأخير عملية الخصخصة التي كان من المفترض أن تحدث في الجزائر منذ سنوات، وبالتالي فان الاستثمارات الفرنسية ظلت تشكو من انعدام فرص تحولها الى الجزائر، نظرا لعدم توفر الثقة بالاصلاحات الجزائرية من جهة، ولأن البيروقراطية المتأصلة في الإدارة الجزائرية تواصل لعب دورها التقليدي المعيق لأي تطور يحقق الاصلاح المطلوب. الخلافات المغاربية ثالثا: الخلاف الجزائري ـ المغربي، وقضية الصحراء الغربية: يشكل الخلاف الجزائري ـ المغربي حول قضية الصحراء الغربية بنداً رئيسيا في المحادثات الفرنسية ـ الجزائرية. ففضلاً عن ان الجزائر تتهم فرنسا بالوقوف الى جانب المغرب في النزاع حول مستقبل الصحراء، فان استمرار هذا النزاع يسبب بالفعل احراجا شديداً لباريس ويمنعها من اعتماد سياسة مغاربية موحدة، او بناء تحالف قوي مع الاتحاد المغاربي. والى ذلك فان إدامة هذا الصراع يفسح المجال أمام الولايات المتحدة خصوصاً، وامام قوى خارجية اخرى، للتدخل في هذه المنطقة ومنافسة المصالح الفرنسية والنفوذ الفرنسي فيها. وقد بذلت الحكومة الفرنسية جهوداً قوية مع طرفي النزاع: الجزائر والمغرب، للاتفاق على تسوية المشكلة الصحراوية استنادا الى مقترحات الأمم المتحدة، وخاصة فيما يتعلق باجراء استفتاء على مستقبل الصحراء مع بقائها تحت السيادة المغربية خلال المرحلة الانتقالية التي تستغرق خمس سنوات. ويبدو ان المساعي الفرنسية حققت بعض النجاح في الآونة الأخيرة، حيث اظهرت الحكومة الجزائرية استعداداً مبدئيا لتقبل وجهة النظر الداعية الى اجراء استفتاء حول مستقبل الصحراء، الأمر الذي يسهل انعقاد القمة المغاربية في وقت قريب، وهو ما يستجيب لأهداف السياسة الفرنسية في المنطقة، وخاصة حيال هذا الموضوع بالذات، لاسيما بعد التحسن الذي طرأ على العلاقات الفرنسية ـ الليبية. ـ رابعاً: المشاكل الثنائية، ابرز المشاكل الثنائية بين الجزائر وفرنسا تتمثل في القضايا المتبقية من مرحلة صراعهما الدموي القديم والخروج الفرنسي من الجزائر، فهناك نحو مليون شخص من فرنسيي الجزائر المعروفين بـ «الأقدام السود» الذين اضطروا للانتقال الى فرنسا، بالاضافة الى نحو نصف مليون شخص ممن يعرفون بـ «الحركيين»، وهم جزائريون التحقوا بالجيش الفرنسي ورحلوا معه عند انسحابه، ولا تزال فرنسا تنفق عليهم بانتظام وتتحمل مسئولياتها تجاههم، وتطالب باريس بالسماح لهؤلاء بزيارة الجزائر وتفقد مواطنهم الأصلية، بعد رد الاعتبار للحركيين منهم، كتأكيد لواقع المصالحة بين الجانبين. وبالمقابل تطالب الجزائر بزيادة عدد التأشيرات التي تمنحها السلطات الفرنسية للجزائريين الراغبين في زيارة فرنسا، لأسباب مختلفة وكانت فرنسا قلصت منذ سنوات عدد التأشيرات الممنوحة للشبان الجزائريين بسبب العمليات الارهابية التي وقعت فوق الاراضي الفرنسية واستهدفت منشآت عامة ثم زادت السلطات الفرنسية عدد التأشيرات عام 1997 بمعدل ثلاثة اضعاف لتصل الى 183 ألف تأشيرة سنوياً. لكن هذا المعدل ظل أقل مما كان معتمداً في مطلع التسعينيات، ودون ما تسمح به طبيعة العلاقات الجزائرية ـ الفرنسية والمصالح المتداخلة بين الطرفين، خصوصاً فيما يتعلق بالتبادل التجاري، وبالامتدادات والروابط العائلية لثلاثة ملايين جزائري يعيشون في فرنسا، وقسم كبير منهم يحملون الجنسية الفرنسية. وتخشى الحكومة الفرنسية ان ينتقل الشبان الجزائريون للعمل في فرنسا ما يؤدي الى تفاقم مشكلة البطالة لدى الجانب الفرنسي، لذلك فهي تركز على تعزيز الاستثمارات الفرنسية في الجزائر وانجاز الاصلاحات الاقتصادية المقررة، بالاضافة الى استكمال برامج التخصيص، بحيث يؤدي هذا كله الى زيادة فرص العمل وتشجيع الشبان الجزائريين على البقاء داخل بلدهم. ولوحظ خلال الاستقبالات الشعبية الحاشدة للرئيس الفرنسي في الجزائر ارتفاع يافطات تدعو شيراك الى منح الشبان الجزائريين تأشيرات للسفر الى فرنسا. انعدام الثقة لم يكن من السهل اتفاق الطرفين على معالجة هذه المشاكل المعقدة كلها ضمن فترة زمنية قصيرة، فضلاً عن ازالة الحساسيات القديمة وضعف الثقة بينهما. والشاهد على ذلك انه عندما وقعت الاضطرابات الشعبية في منطقة القبائل الجزائرية في يونيو 2001 وحدثت مصادمات دامية مع رجال الامن، توترت العلاقات الفرنسية ـ الجزائرية، ففي حين شنت وسائل الاعلام الفرنسية وبعض القوى السياسية، وحتى الجهات الرسمية، حملات عنيفة على الحكم الجزائري، بسبب ما وصف بأسلوب القمع العنيف المعتمد ضد المواطنين البربر، اتهمت الجزائر فرنسا بالوقوف وراء تلك الأحداث لأهداف خاصة. ووصل الامر ببعض النواب الجزائريين لحد المطالبة بقطع العلاقات الدبلوماسية مع فرنسا، اما الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة فقد عبر عن هذا الموقف بقوله: «ان جهات أجنبية لم تتمكن من فرض هيمنتها نهائياً على الجزائر بعد قرن ونيف وهي ما زالت في حال المتألم على الفردوس الضائع» ومع ان بوتفليقة لم يسم فرنسا بالاسم، الا انه كان يقصدها ويوجه خطابه اليها. بيد ان الجانبين كانا، في حقيقة الامر، يرغبان في تسوية المشاكل القائمة بينهما تمهيداً للوصول بعلاقاتهما «المعقدة» الى «شراكة كاملة»، كما يؤكد المسئولون في البلدين وقد نجحت الزيارات المتبادلة بين مسئولي البلدين، خلال السنتين الاخيرتين، ومنها عدة زيارات للرئيس الجزائري نفسه الى فرنسا، في تقريب وجهات النظر بينهما. كذلك فإن الدور المنافس الذي تمارسه الولايات المتحدة في شمال افريقيا، وفي القارة الافريقية كلها، ربما شكل عامل ضغط على باريس، وحمل المسئولين الفرنسيين على التجاوب مع الاقتراحات والرغبات الجزائرية. قد يكون ما تحقق في زيارة الرئيس جاك شيراك للجزائر وهو مكمل لانجازات زيارات الرئيس بوتفليقة الى فرنسا اعتباراً من عام 2000، اول تصحيح جدي للعلاقات الجزائرية ـ الفرنسية، وبانتظار ان يتكرس كل ما اتفق عليه حتى الآن في «معاهدة» تبرم بين البلدين، بحسب ما اعلن الرئيس الفرنسي امام البرلمان الجزائري، ستظل هناك شكوك جدية ومشروعة حول ما اذا كان الطرفان قد دخلا فعلاً مرحلة «المصالحة التاريخية» التي يحتاجها البلدان، على غرار ما حدث بين فرنسا والمانيا. ومن الواضح ان الطرفين يتمنيان ان يتحقق ذلك في اقرب وقت لمصلحتهما المشتركة معاً، وكل لأهدافه ولاعتباراته الخاصة. ـ كاتب لبناني مقيم في فرنسا