الاربعاء 9 محرم 1424 هـ الموافق 12 مارس 2003 اليكم شطرا من تجربة عشتها البارحة اثر زيارتي لاحدى المدارس الثانوية بالدولة لتقديم محاضرة بعنوان «خطوات نحو تنمية الذات» وذلك ضمن فعاليات اسبوع مصادر المعلومات الذي تشرف عليه احدى مناطقنا التعليمية. واثناء الدقائق اليسيرة التي تفصل ما بيني وبين المحاضرة، وبكرم بالغ، وحفاوة لافتة دعتني المعلمة التي تتولى تنظيم هذا اللقاء الى دخول احدى الغرف المجاورة للمسرح لرؤية معرض الكتاب الذي افتتحته المدرسة منذ ثلاثة ايام. وحتى ايسر للقارئ الكريم تصور التجربة الحية التي مررت بها انوه الى ان مساحة المكان التي ضمت الكتب لا تتجاوز الثلاثة امتار طولا والمتر والنصف عرضا. ورغم ضآلة حجم المكان الذي ضم الكتب جاء صيدي وفيرا، وامتلأت سلة المعلومات بعناوين التقطت من هذا المكان الضيق، تكفي ليترجم وجودها عن ازمة الخواء الفكري الذي تعاني منه الامة والذي ساقها الى مخاصمة العلم والثقافة، وعن الاضطراب في المفاهيم الذي اضر بعقول الكبار قبل الصغار. لم يكن صيدي اذن ـ ايها الاخوة والاخوات ـ اكثر من عناوين لكتب ضعيفة المحتوى قدمت لفئة الطالبات اللواتي كان ينتظر ان تكون العناية بهن أفضل بمراحل من المستوى الذي ظهر عليه المعرض المذكور. وصدقا حملت الدقائق الوجيزة العناوين التالية: «تفسير احلام التفاؤل لابن سيرين»، «كيف تنجو من السحر» «ثمانون سؤالا عن عذاب القبر ونعيمه»، «لغز الموت واسرار القبور»، «مختصر تفسير الاحلام.. لابن سيرين»، «خفايا السحر و السحرة»، «هاروت وماروت»، «الطب الروحاني»، «طارد الجن من جسم الانسان». والآن ما رأيك قارئي الكريم في هذه العناوين؟ هل تراها قادرة على صياغة الشخصية القوية والناضجة التي لديها من الوعي والبصيرة ما يحميها من الانحراف ويدفعها للنجاح في التعامل مع المواقف الصعبة؟ كيف تقرأ انتشار هذه العناوين في مدارسنا؟ وكيف تنظر الى اصرار اصحاب المكتبات على الترويج لهذه الكتب دون غيرها؟ ولو تعمقت اكثر واجلت مناقشة المحتوى الذي تتضمنه هذه الكتب وانتقلت بأفكارك الى الناشر، ووجدت نفسك وجها لوجه معه في عالم الاماني واحلام اليقظة واردت ان تسأله سؤالا عن سبب هذا العبث والاجرام بحق الاجيال التي تربت على هذا النوع من الكتب، فبماذا ستتوقع ان يجيبك ذلك الذي انتفخت جيوبه، وتكدست امواله في البنوك والسبب اعادة طبع هذه الكتب عشرات المرات، فبماذا سيرد عليك؟ وكيف سيدير مثل هذا الحوار الذي نزل على صدره نزول الصخرة التي ظل يتحاشاها مدة طويلة من الزمن؟! هل تراه سيقول لك: «الجمهور عاوز كده» ام انه سيتقمص دور الحكيم المجرب ويقول باستعلاء وغرور: «هذه الكتب مفيدة ومغذية للعقول» ام سيشيح بوجهه عنك مستعيذا بالله من عينك الحسود، وقلبك الذي اكلته الغيرة من نجاحه اللامحدود في جني الاموال من السذج والبسطاء دون جهد وتعب!! والسؤال المر: هل سيقبل أي ناشر يروج لهذه الكتب بأن يدخل في حوار مفتوح حول سبب قبوله بالوكالة عن الشيطان نفسه في العبث بالعقول وتسميم المشاعر والخواطر، وتغييب الافراد عن واقعهم، وربطهم بالغيبيات. ان مما يضاعف من حجم الشعور بالالم نتيجة هذا المشهد الكئيب ان هذا الاداء الضعيف تكرر امامي عشرات المرات اثناء زياراتي لمعارض مدرسية اخرى رصدت من خلالها الملاحظات نفسها، وتجرعت غصص الوقوف امام عناوين من هذا المستوى الركيك، وتمنيت مرات عدة ان تتهيأ المعلمات فكريا ومعرفيا لانجاح معارض الكتب طالما انه ليس لديهن الوعي الكافي بأبجديات التنمية الثقافية للطالبات. ولأن تجربة اليوم لم تأخذ حقها من البحث والمناقشة فاني ارجئ الدخول في تفاصيل اخرى حول واقع معارض الكتب في مدارسنا الى الغد القريب