الثلاثاء 8 محرم 1424 هـ الموافق 11 مارس 2003 لم تكن قمة شرم الشيخ العربية قبل حوالي اسبوع اسوأ، ولا أفضل طبعا من سابقاتها. كذلك لم تكن قمة الدوحة الاسلامية بعدها بأيام ولا قمة كوالالمبور لدول عدم الانحياز قبلها، والعالم العربي جزء منهما، أفضل او أسوأ من سابقاتهما. الا ان العلاقات «الاخوية» (وفق التعبير العربي الذي بات مملا) التي ظهرت للعيان في قمتي شرم الشيخ والدوحة، وبينما الأمة تمر في ظروف اكثر من مصيرية واكثر من مأساوية، تستحق ان تكون القضية التي يجب التوقف عندها بجدية. وان تبث التعبيرات عن هذه العلاقات، في لحظة تخل نادرة عن الرقابة الامنية على الاعلام في جلسات القمم العلنية، بالصوت والصورة عبر الفضائيات الى العالم كما حدث فعلا، ففي ذلك اشارة بليغة الى ان الجلسات المغلقة بين القادة والزعماء العرب قد تكون في حقيقتها جلسات تبادل شتائم واتهامات اكثر من اي شيء آخر. وان يحدث ذلك تحت «خيمة» من العجز الجماعي الكامل يستمع فيها القادة والزعماء الى زميل لهم، هو رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات، من خلال بث تلفزيوني عبر الاقمار الاصطناعية لانهم هم (وليس هو وحده) لا يملكون من القوة السياسية والمعنوية والادبية ما يجعله قادرا على الخروج من العزلة المفروضة عليه ثم العودة اليها، فذلك اشارة اخرى الى ان الهوان العربي قد وصل الى حد لم يعد جائزا السكوت عليه. لا تهم هنا عبقرية العرب، واللغة العربية بدورها، في صياغة البيانات التي ترضي الجميع من جهة وتقول الكثير ولا تقول شيئا في الوقت ذاته من جهة ثانية. المهم هو تكرار الاعتراف مرات ومرات بأن لا قدرة عربية على فعل اي شيء، بينما تحفل تصريحات القادة وبطانتهم بالحديث عن دور العرب وطاقاتهم وامكاناتهم على رد المخاطر عن الامة وحماية حقوقها فضلا عن مصالحها. والمهم ايضا ان تكرار الاعتراف بالعجز يتم اعلانه على رؤوس الاشهاد وعبر الفضائيات، بينما تقف قوى في العالم، كانت الى امد قريب مسرح حروب طاحنة فيما بينها، في صف واحد للعمل على انقاذ المنطقة العربية ـ والعالم من بعدها ـ من حرب سيكون العرب ضحاياها اولا وقبل كل شيء. فالبيانات الجماعية، وحتى الفردية الخاصة بكل دولة، تحقق هدفها المبيت بامتياز: هدف تبرئة النفس على طريقة «ما باليد حيلة ». كذلك هي الوساطات وعمليات «تبويس اللحى» التي يقوم بها البعض بعد اذاعة مشاحنات البعض الآخر على الهواء، لانها لا تفعل الا انها تخفي مجددا ما بات معروفا للقاصي والداني.. من العرب انفسهم، خاصة الشعوب المقهورة، ومن غيرهم في العالم الخارجي من الاصدقاء والاعداء على حد سواء. حتى اذا جف حبر هذه البيانات، تبين ان جديدها لا يختلف البتة عن قديمها، وان ما ورد فيها لا يملك مقومات ان يبقى حيا بانتظار ما سيتكرر بالحرف تقريبا في بيانات اخرى تصدر عن قمم اخرى. خيار العجز واذا كانت الحرب على العراق مثالا لم يكتمل بعد، ولا يجوز بالتالي اعتباره نموذجا للعجز العربي عن فعل اي شيء، فالحرب الاخرى المستمرة منذ عامين ونصف العام لابادة شعب عربي بكامله ـ هو الشعب الفلسطيني ـ وتهجيره قسرا من ارضه ومن حقوقه الوطنية المعترف بها دوليا انما تصرخ معلنة عن نفسها يوميا.. وعبر الفضائيات كذلك. فمنذ سبتمبر العام 2000، تاريخ بدء الانتفاضة والحرب الاسرائيلية على الشعب الفلسطيني، عقدت ثلاث قمم عربية دورية في عمان وبيروت ثم اخيرا في شرم الشيخ. ومنذ ذلك التاريخ، وبرغم بيانات القمم المنددة بالابادة الجسدية والمعنوية للشعب الفلسطيني في مدن الضفة الغربية وقطاع غزة والمتضامنة الى اقصى حد معه، تستمر الحرب الاسرائيلية وطبعا الاميركية الداعمة لها سياسيا وعسكريا واقتصاديا في التصاعد يوما بعد يوم. لم يختلف اي من بيانات هذه القمم عما سبقه او لحق به الا ربما في تقديم عبارة او كلمة وتأخير اخرى. وبينما قررت هذه القمم مد يد العون ماليا لضحايا الحرب ومساعدة الشعب الاعزل على الصمود في وجه الآلة العسكرية الاسرائيلية والحصار الاقتصادي القاتل، فان احداها قمة شرم الشيخ لم تر في اخلال بعض الدول العربية بالتزاماتها المالية تجاه فلسطين قضية جوهرية تستحق التوقف عندها. في بيان شرم الشيخ هذا «تجديد الالتزام العربي بالدعم المالي لموازنة السلطة الوطنية الفلسطينية لستة اشهر مقبلة.. على نفس الاسس التي اقرتها قمة بيروت طالما استمر العدوان الاسرائيلي.. ودعوة الدول الاعضاء التي لم تستكمل مساهماتها بشأن دعم ميزانية السلطة وصندوقي الاقصى وانتفاضة القدس لتحويل تلك المساهمات ». وكفى الله المؤمنين شر القتال!! ماذا يعني ذلك في الجوهر ؟! انه، على عكس ما يقال في موضوع العراق الآن من انه «ليس في اليد حيلة» لرد غائلة الحرب، يعني ان لا قرار عربيا بل ولا رغبة بالسعي ـ مجرد السعي ـ للخروج من وباء العجز المستشري في جسد النظام العربي وعقله. فمئات الآلاف من الدولارات، وبالنسبة للبعض عشرات الآلاف فقط، تقدمها هذه الدولة او تلك تضامنا مع الشعب الفلسطيني ومع قضيته التي وصفت يوما بأنها «قضية العرب الاولى» ليس مما تنطبق عليها مقولة «ليس في اليد في حيلة» بأي شكل من الاشكال.. الا اذا كان هناك قرار اميركي «لا يرد» بشأنها، مثل قرارات أخرى لا يجري الحديث عنها علنا!!. وفي مواجهة التدمير المنتظم لمؤسسات السلطة الفلسطينية واجهزتها، وعزل رئيسها في غرف قليلة في طابق واحد من بناية واحدة من «المقاطعة» في رام الله، يتصرف العرب كما لو انهم فقدوا كل «حيلة» لديهم ان في علاقاتهم مع دول العالم ـ او مع الولايات المتحدة بالذات ـ لوقف هذا المسلسل، وتوفير مخرج لعرفات يكون فيه قادرا على ممارسة احدى مهماته كحضور اجتماع عربي على مستوى القمة او غيرها ثم العودة الى مكتبه آمنا بعد ذلك. فهل فقدوا ذلك فعلا ؟! مثل هذه الاسئلة يصعب الجواب عليها بغير القول انها تشير الى ان وجود قرار لدى النظام العربي الحالي، وعلى أرفع مستوى، بممارسة سياسة الوهن اختياريا وليس باعتبارها مفروضة عليه من الخارج، والاستكانة الكاملة لهذا الواقع ايا كانت النتائج التي يؤدي اليها. المسئوليات الناقصة لكن القضية هنا، على مركزية وتاريخية القضية الفلسطينية، تبقى قضية الحرب الحالية ضد العراق، بل وضد المنطقة كلها والنظام العربي ذاته كما يقول اصحاب هذا النظام انفسهم. وفي اطارها تقوم دول اوروبية كبرى وذات وزن، مثل فرنسا والمانيا وروسيا، اضافة الى الصين، بدور بالغ الاهمية في مواجهة الهجمة الاميركية - البريطانية المنسقة على المنطقة. والمفارقة الكبرى انه في اليوم ذاته الذي كانت فيه الدوحة تشهد ذلك النقاش «الاخوي» بين الوفدين العراقي والكويتي الى قمة منظمة المؤتمر الاسلامي، كان وزراء خارجية فرنسا وروسيا والمانيا يعلنون من باريس «اكبر وأقوى لا» عبر الاطلسي وفق وصف «النيويورك تايمز» الأميركية لبيان الوزراء الثلاثة. أكدت الدول الثلاث في البيان أنها «ستتحمل مسئولياتها كاملة» في مواجهة الولايات المتحدة وللحيلولة دون نشوب «الحرب التلقائية» التي تريد الادارة الاميركية ان تشنها على العراق، وانها لن تسمح بتحويل مجلس الامن الدولي الى مجلس للحرب لا للسلام كما يدل على ذلك اسمه. اكثر من ذلك فقد تحدثت هذه الدول عن الحاجة لتسوية الصراع العربي - الاسرائيلي، آخذة على واشنطن عدم «نشر وتبني خريطة الطريق» التي توصلت اليها اللجنة الرباعية (الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الاوروبي والامم المتحدة) في وقت سابق. لا بد هنا من ملاحظة الفارق الكبير، بل والكبير جدا، حتى في اللهجة التي استخدمتها الدول الثلاث وتلك التي استخدمتها القمتان العربية والاسلامية. ومع ان للدول الاوروبية اسنانا، كما يقال، تستطيع استعمالها بينما لا اسنان البتة للدول العربية والاسلامية، فكون القضية المطروحة قضية عربية بامتياز يجعل المفارقة في اللهجة اشبه بالمهزلة الحقيقية. واذا قيل ان للدول الاوروبية مصالح في العراق وانها انما تدافع عنها قبل ان تخسرها نهائيا بعد الحرب الاميركية، فهل من الخطأ اعتبار ان للدول العربية (وللانظمة) بدورها مصالح في العراق ايضا اضافة الى الرابطة القومية والدينية والقربى الجغرافية حتى لا نقول الانسانية ؟! اكثر من ذلك، اين هي «المسئوليات الكاملة» للدول العربية بالمقارنة مع «المسئوليات الكاملة» الاخرى التي قالت الدول الاوروبية الثلاث انها ستتحملها ؟! غالبا ما ناشدت الدول العربية الولايات المتحدة لعب دور «الوسيط النزيه» بين اسرائيل والفلسطينيين، ولكن من دون اية نتيجة حتى الآن. في الرد على ذلك، كانت هذه الدول تناشد زميلاتها في اوروبا، وفي الاتحاد الاوروبي خاصة، للعب دور متميز عن الدور الاميركي سواء في ما يتصل بالقضية الفلسطينية او بالقضايا العربية الاخرى. .. ولقد بدأت اوروبا، او بعضها على الاقل، تلعب جديا وبقوة هذا الدور مؤكدة ذلك سواء في تظاهرات عشرات الملايين التي سارت في مئات المدن او في جلستي مجلس الامن للاستماع الى تقاريرالمفتشين الدوليين في العراق. ألا يملك العرب اسنانا يمكن ان يستعملوها في هذا الصدد ؟!، وأليست عليهم «مسئوليات كاملة» ربما يستطيعون هنا، او ربما يريدون، ان يتحملوها ؟! في الجواب على هذا السؤال، يكمن الجواب على السؤال التقليدي عما اذا كان الوهن العربي الحالي قرارا ذاتيا ام لا. ـ كاتب لبناني