الثلاثاء 8 محرم 1424 هـ الموافق 11 مارس 2003 من زاوية اخرى ومن منطلق مختلف نظرت احدى المنظمات الاميركية لتوقعات الحرب والسلام، وبعيون اكثر انسانية واقل توتراً سياسياً وابعد من تأثير الاحداث والاخبار المتلاحقة على شاشات الفضائيات. وهذه المنظمة الاميركية هي مركز التوقعات الاستراتيجية من اجل المستقبل، ويضم جامعيين مرموقين واعلاميين معترفاً لهم بالموضوعية. وقد صدرت عن المركز دراسة طريفة وعميقة حول «ماذا سيحدث للعالم لو تجنّبت الحرب المعلنة ضد العراق؟». وتنطلق الدراسة من الحجم الحقيقي للميزانية المرصودة للحرب والتي خصصها الكونغرس حينما اجاز للادارة الاميركية الراهنة حرية العمل العسكري بمباركة القانون الدولي ممثلاً في مجلس الامن او بدونها. وهي ميزانية عملاقة ونادراً ما نجد اصداء عن حجمها في الصحف والمجلات والفضائيات لأنها حسب رأي البعض «جزئية».. ولكنها في الواقع ليست جزئية بل جوهر الصراع، لأنه بدون هذه الميزانية العملاقة لا يمكن للادارة الاميركية شن حرب بما فيها من آلية اعلامية ودعائية جبارة، وبما فيها من نقل وعتاد وادارة جيوش موزعة على اكثر من ثلاثين جهة برية واكثر من مئة وخمسين جهة بحرية. وهذه الميزانية تقدر اجمالياً وبدون تفاصيل بحوالي مئة مليار دولار.. اي خمسة اضعاف ما تطلبته حرب افغانستان (20 مليار دولار). وهذا المبلغ العملاق هو تقريباً ربع ميزانية الدفاع الاميركية لسنة 2003 (385 مليار دولار). وقد اجتهد المركز في وضع تصورات لتغيير مجرى نهر هذه الميزانية نحو خير البشرية المعذبة وذلك خدمة مباشرة لمصالح المجتمع الاميركي اساساً. وقد فسر خبراء المركز بأن امن اميركا الحقيقي وبعيد المدى مرتبط جدلياً بأمن البشرية قاطبة، لأن المحيطين الاطلسي والهادئ لم يعودا يفصلان اميركا عن العالم بسبب انتشار وسائل الاتصال ووسائل الدمار وانتقال الاوبئة وعالمية التلوث البيئي. فأميركا هي في قلب العالم اختارت او اضطرّت.. شاءت ام ابت. ولهذه الاسباب يمكن ان تحوّل المئة مليار دولار الى استثمار مستديم في حماية مجتمعها بفضل حماية العالم من حولها من الأخطار الكثيرة المحدقة. كما يمكن من خلال هذه الميزانية تسديد ديون افقر دول العالم الثالث والتي لا يمكنها تسديدها، حتى تهتم هذه الدول الواقعة تحت خط الفقر بمقاومة الجوع وانشاء صناعات خفيفة والخروج من مرحلة الخطر، وذلك سوف يخفف اعباء الدول الغنية في استقبال ملايين اللاجئين والهاربين من الجوع والحرب الاهلية، وكذلك تخصيص مبلغ 20 مليار دولار لاجراء اصلاحات سياسية وديمقراطية في اعشاش الاستبداد والدكتاتورية المنتشرة في العالم والتي تفرخ الارهاب بواسطة القمع والاضطهاد والمحسوبية والفساد وقتل المجتمع المدني والمشاركة الشعبية. ويرى المركز ان هذه الدول الدكتاتورية هي اكبر خطر يهدد العالم واميركا والقيم التي رفعها وودرو ويلسن لاميركا ومنها الحرية والديمقراطية وحرية التجارة. اما الباقي من المئة مليار دولار فيوجه نحو القضاء على الجهل باتاحة العلم عبر الوسائل الاتصالية والالكترونية لكل شعوب العالم.. فالجهل هو سبب التطرفات ومنتج العنف ومغير في الفوضى والظلامية ونكران الآخر والعنصرية والتطهير العرقي. ينادي المركز بهذه الاجراءات من اجل ـ كما يقول ـ تحمل اميركا رسالتها الاخلاقية الكبرى وعدم الاكتفاء بالقوة العسكرية الغاشمة. وقد كتب المفكر فولبرايت الاميركي كتاباً بعنوان وقاحة القوة.. واقترح فيه تقريباً نفس الحلول. ويعتقد المركز المذكور أن القضاء على نظام صدام حسين وعلى اسلحة الدمار الشامل.. لن يحل مشاكل العالم ولا مشاكل اميركا، ولكن هذا البرنامج السلمي الطموح اقدر وابعد مدى واعمق اثراً.. ولكن يبدو انه حمى القضاء. ـ أستاذ الإعلام ـ جامعة قطر alqadidi@hotmail.com