الثلاثاء 8 محرم 1424 هـ الموافق 11 مارس 2003 المؤشرات المختلفة الصادرة عن المؤسسات الوطنية الفلسطينية والهيئات الدولية تعطي أرقاماً ونسباً متقاربة ومرتفعة بشأن البطالة في الضفة الغربية، وبشكل فاقع في قطاع غزة، وكل الأرقام والنسب تتأرجح ما بين حدود تفوق نسبة 70% وهي نسبة مرتفعة بكل المقاييس والاعتبارات. وما يفاقم أيضاً من سوء الأوضاع الاقتصادية التباطؤ في وصول أموال الدول المانحة، والأموال المجباة لصالح الانتفاضة والصمود الفلسطيني.فضلاً عن الطريقة الانتقائية في توزيعها وطغيان الطريقة الفصائلية القائمة على توجيه المساعدات على أساس الانتماء. ولعل في مظاهرات وإضرابات الجوع التي وقعت أكثر من مرة في قطاع غزة ما يؤكد على مقولة قديمة طالما تردد صداها عبر سنين طويلة. «الجوع الكافر» لم يمنع أبناء فلسطين في الداخل من مواصلة الانتفاضة أولاً، ومن إطلاق الصوت العالي مطالبين السلطة الفلسطينية والمؤسسات الوطنية بالعمل على حل القضايا الاقتصادية والجوع الضاغط على القاعدة الشعبية الفلسطينية العريضة ثانياً. فالبطالة وشظف العيش أصبحا وضعاً مميزاً للحالة الشعبية الفلسطينية منذ سنتين على الأقل. والمؤشرات تؤكد بأن أكثرية ساحقة من الأسر الفلسطينية تعيش تحت خط الفقر بواقع متدن للدخل يتأرجح نحو 2 دولار للفرد الواحد في اليوم الواحد، إضافة إلى أن نصف الأسر الفلسطينية بشكل عام فقدت اكثر من نصف دخلها جراء سياسات التضييق التي تمارسها سلطات الاحتلال بحق الشعب الفلسطيني منذ بدء انتفاضة الأقصى والاستقلال وفق المؤشرات التي قدمتها الهيئات الدولية والمكتب المركزي للإحصاء الفلسطيني في رام الله. وبالتالي انخفض دخل الأسرة من 2500 شهرياً إلى 1200 بقيمة العملة الإسرائيلية (الشيكل). ونال اللاجئون الفلسطينيون في المخيمات مساعدات عينية من مصادر مختلفة على امتداد الفترة الماضية من عمر الانتفاضة كما هو حال باقي المناطق الفلسطينية المحتلة، حيث احتلت وكالة الغوث الدولية المركز الأول بالمساعدة من حيث عدد المرات بواقع 2,55 بالمائة تلتها المساعدات المقدمة من نقابات العمال بواقع 1,16 بالمئة ثم مؤسسات السلطة الفلسطينية بواقع 8 بالمائة، ومن ثم من مصادر مختلفة بواقع 9,4 بالمائة، والمؤسسات الخيرية ولجان الزكاة بواقع 5,8 بالمائة، ومن الفصائل والأحزاب بواقع 5,2 بالمائة، ومن مصادر مختلفة 7,0 بالمائة.وفق معطيات الجهاز المركزي الفلسطيني للإحصاء المنشورة يوم 17/5/2002. وبلغت نسبة البطالة بعد عملية اجتياح «السور الواقي» رقماً قياسياً، وصل إلى 70 بالمائة وفق تصريحات حيدر إبراهيم الأمين العام للاتحاد العام لعمال فلسطين خلال اجتماع عقد مؤخراً في القاهرة. وبشكل عام، وحسب تقديرات البنك الدولي وتقريره الشامل عن الوضع في فلسطين والمنشور يوم 18/5/2002 فقد وصلت نسبة الفلسطينيين الذين يعيشون تحت خط الفقر بين 40-50 بالمائة. وتراجع الناتج القومي بنسبة 12 بالمائة وانخفض الدخل القومي إلى نحو 15 بالمائة بعد أن تقلص دخل العمال الفلسطينيين بنسبة 40 بالمائة. بينما تشير المعطيات الحديثة لبرنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة في تقريره يوم 25/5/2002 إلى أن نصف مليون فلسطيني في الأراضي المحتلة أمسوا في حاجة ماسة إلى مساعدات غذائية تتجاوز 70 ألف طن، ويتقاطع مع تقرير البنك الدولي الذي يقدر بأن 50 بالمائة من الفلسطينيين في الأراضي المحتلة تحت خط الفقر، إذ يقل الدخل اليومي للفرد عن 2 دولار. وفق ما نقلته وكالة رويترز العالمية للأنباء يوم 15/5/2002. ويمكن تلمس مدى الوجع المباشر الواقع على العائلات والأسر الفلسطينية من خلال البيانات التي نشرتها وكالة التطوير الدولي في الولايات المتحدة، فالبيانات والمعطيات التي أفرزتها عينة تمثل 1000 عائلة في الضفة الغربية وقطاع غزة (مدن، قرى، مخيمات) تشير إلى أن 53% من النساء والأطفال في الضفة والقطاع يعانون من سوء التغذية وفقر الدم. وأن 3,9% من الفلسطينيين يعانون من سوء التغذية بدرجة كبيرة، ونسبة 2,13% يعانون من سوء تغذية مزمن، في حين يعاني 5,3% من الأطفال يعانون من سوء تغذية متواصل، ونسبة 7,19% من الأطفال من جيل ستة أشهر حتى خمس سنوات يعانون من فقر الدم، وكذلك 8,10% من النساء من جيل 15 ـ 45 يعانين من فقر الدم ومرد ذلك يعود بشكل خاص لافتقاد البروتين وعناصر غذائية ثانية مثل الحديد.. هذا فضلاً عن النقص العام لمنتجات الألبان والحليب في الأسواق والحوانيت، ومرد ذلك الضائقة المالية التي تمنع أصحاب الحوانيت من استجلاب المواد إياها فضلاً عن الحصار والإغلاق والأطواق الإسرائيلية خاصة في قطاع غزة المحاصر براً وبحراً وجواً. إضافة إلى هبوط قدرة المواطنين على الشراء بنسبة 65% عن الحد الأدنى من الحالة الطبيعية. وفي هذا السياق فان كتلة الوحدة العمالية في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة التي ساهم أعضاؤها في مظاهرات الجوع وفي خيم الاعتصامات قد أطلقت المطالب العمالية عبر: 1. ضرورة تخصيص راتب شهري على حد الكفاف في حدوده المعقولة لكل عامل عاطل عن العمل. 2. تشكيل صندوق وطني للتكافل الاجتماعي يمكّن من خلق فرص عمل للعمال ويحقق التأمين الصحي الشامل لهم. 3. اعتماد تطبيق قانون العمل، بما في ذلك إصدار قانون الضمان الاجتماعي. 4. إعادة الاعتبار للنقابات العمالية الفلسطينية وتحريرها من الهيمنة البيروقراطية الاستخدامية التي حولتها إلى هياكل بدون مضمون، وأصبحت عبئاً ومسمى دون فعل لصالح القاعدة العمالية العريضة التي يتشكل منها المجتمع الفلسطيني في الداخل إلى جانب القاعدة الفلاحية. إن الأموال القادمة إلى فلسطين، وحملات الجباية والتبرعات التي صبت أو تصب في طاحونة سلطوية رسمية تحتكر توجيه توزيعها لمن تشاء وحسبما تشاء، وبعضها الآخر يصب في طاحونة فصائلية ضيقة لأسباب أيديولوجية، إن هذا يشكل عبأ جديداً يجب التخلص منه من خلال هيئة فلسطينية على المستوى السياسي والإداري الأول تمثل تيارات وفعاليات الشعب الفلسطيني للإشراف على توزيع وإيصال ما يرد من أموال وتبرعات إلى القاعدة الشعبية العريضة التي حملت على أكتافها دون غيرها وما زالت عبء الانتفاضة وعبء التصدي لقوات الاحتلال. ـ كاتب فلسطيني ـ دمشق