الثلاثاء 8 محرم 1424 هـ الموافق 11 مارس 2003 ثمة ما يغري بالدرس و التمحيص للإجابة عن السؤال التالي: لماذا يقوم النظام العراقي متعمدا باستعداء حتى من يقف ضد الحرب التي يبدو أن لا مفر منها؟! ففي التصريحات الأخيرة تنادي بغداد من يريد أن يسمع بإعلان ( الجهاد) ضد النصارى و اليهود، وقد تناولت الصحف الفرنسية هذا الأمر، وبلادها الرسمية تحث العالم على عدم الحرب، بشيء من السخرية، حيث تتساوى صيحات بغداد، مع صيحات أسامة بن لادن من مغارته في باكستان. ولان المجتمع المسيحي، وعلى رأسه بابا روما يبذل جهدا متواصلا لمنع الحرب على بغداد، فان رجال الدين المسيحي من المذهب الماروني قد اجتمعت كلمتهم على الإشادة بكلمة الرئيس بشار الأسد في مؤتمر قمة شرم الشيخ، وهم كانوا من قبل على مسافة متناقضة مع الجهد السوري في لبنان، لفترة طويلة من الزمن، متجاوزين بذلك المواقف المارونية السياسية، ومن ثم قرروا إعلان موقفهم الرافض للحرب، ودفنَ خلافاتهم السياسية مع الجارة سوريا من اجل نصرة ما يذهب إليه البابا ورجال الدين المسيحي في أكثر من دولة في العالم، وهي مناوئة كليا للحرب. ومع ذلك يتجاهل صانع القرار في بغداد كل ذلك الزخم من اجل أن يعلن (الجهاد) وهو النظام العلماني، مما يشكل أولا انتهازية سياسية، وثانيا تجاوز الصفوف التي وقفت في العالم لمعارضة الحرب، وأخيرا موقف استفزازي لوضع الأمر وكأنه صراع ديني، لا دنيوي بحت. عاطفة الاهاجة ممزوجة بالمكر السياسي واستخدام كل الأدوات المتاحة بصرف النظر عن الحقيقة على الأرض، استخدام كل تلك المناورات هو ما يمثل الخط العام للسياسة المتبعة في بغداد منذ عقود طويلة، بعض هذا المكر السياسي قد نجح لفترة، لكن ما يبدو ظاهرا على الأفق أن هذه الأدوات السياسية قد قاربت صلاحيتها على النفاد. لقد حاول (المتفيقهون العوام) من خارج العراق أن يستخدموا هذا الخط في تضليل العامة، فأصدروا الفتاوى واحتكروا المعرفة بها، من اجل تخليص نظام قام بأكبر ظلم في تاريخ بلده ضد مواطنيه، وتناسى بعضهم ضمن منثورات هذه الفتاوى التي تظهر علينا أن أفضل الجهاد هو الجهاد ضد الظلم والظالم، وان النظر إلى سياق البلاء الذي يقع على الأكثرية في العراق يبرر استخدام المتاح من الوسائل للتخلص من هذا البلاء العظيم. في هذا الأمر يجري التذكير بإعلان ( الجهاد )الذي أعلنه الملا عمر، الذي صنّف نفسه إماما للمسلمين، ولا يقتصر التشابه بين البارحة ( أفغانستان) واليوم (بغداد) على ذلك، فتشاء الصدف أن يكون سكان العراق اليوم حوالي ستة وعشرين مليونا من البشر، وهو رقم مقارب لحجم سكان أفغانستان، وقد تنتهي المقارنة بالأرقام هنا، فسكان أفغانستان في الغالبية ريفييون لم يعتمدوا على الدولة في معاشهم، بعكس أهل العراق، فالسواد الأعظم منهم معتاد على الاعتماد على الدولة في معاشه، وهنا فان وجود جهاز دولة قائم، عملية مهمة لتوزيع الخدمات في العراق، وبالتالي فان الانضباط سيكون أسرع في الزمن في حالة دخول القوات الدولية، وبالتالي يقل زمن الفوضى، وأيضا ستكون المقاومة اقل، ويقول لك كل من يعرف العراق أن الظلم الذي وقع على الأهالي و الفقر و الفاقة التي تسبب بها نظام بغداد في العقود الثلاثة الأخيرة ستجعل من المواطنين مرحبين بالقادمين من القوات الدولية، فهم أناس اكتسبوا الطابع الحضري، ومتعودون على مستوى معين من الخدمات، افتقدوها في السنوات الأخيرة، وزاد الحرمان ما حمله النظام على كاهل الشعب من نظام العقوبات الدولية. يعتقد بعض المحليين أن الصراع القادم في العراق، لا يشبه الصراع في أفغانستان لعدد من الأسباب، منها أن الزمن الذي سوف يأخذه لاستتباب الأمني سيكون قصيرا بالنسبة للأول الذي طال اشهراً، ومازالت بعض الجيوب هناك لم يكتمل السيطرة عليها، وان هذا الصراع سيكون (منخفض الحدة) بمعنى أن المقاومة لن تكون كما يتمناها الإعلام العراقي، أو مؤيدو النظام خارج العراق. المشاكل التي سوف تواجه القوات الدولية في العراق هي مشكلات مدنية وليست عسكرية، فسوف يكون الطلب على الغذاء و الدواء في مناطق كثيرة طلبا مرتفعا بسبب سوء حالة السكان الغذائية والصحية، وخصوصا خارج العاصمة، وتقول تقارير الأمم المتحدة أن هناك عددا كبيراً من اللاجئين سوف يتدفق في الأيام الأولى من النزاع إلى المناطق المجاورة، بل إن طلائع هذا التدفق قد بدأت بالفعل، فالتقارير الدولية تقول إن سوريا فقط في الأسابيع الأخيرة القليلة تدفق عليها حوالي ربع مليون عراقي، وهي الفئات القادرة على السفر و إعاشة نفسها بنفسها، وذلك تحسبا للأسوأ في الأيام القليلة القادمة، وكذلك تدفق عدد وافر من العراقيين على الأردن، إلى درجة أن فكر الأردن بإغلاق حدوده مؤقتا مع العراق. إلا أن التدفقات البشرية التي ستنطلق بعد بدء العمليات ستكون كبيرة بسبب انهيار (القانون و النظام)مؤقتا، كما تسميه وثائق الأمم المتحدة، وبسب الخوف من عمليات ثأر لعدد من الأسباب قد يكون من بينها السياسي و الاجتماعي، لذا فان حدودا قريبة مثل الكويت وسوريا وغيرها من بلدان تربطها بالعراق حدود دولية، قد تكون محط استقطاب سريع لمثل هذه التدفقات البشرية، هذا ما حدث كما نعرف، في الأسابيع الأولى من اندلاع العمليات الحربية في أفغانستان أيضا. الأكثر عرضة من الشعب العراقي للضرر هم بالطبع الشرائح غير القادرة على مساعدة نفسها، خصوصاً في المدن و المناطق المأهولة، وليست الريفية، وهناك مجموعة تقدرها وثائق الأمم المتحدة بأنها كتلة بشرية تناهز الخمسة ملايين من هؤلاء، واغلبهم نساء حوامل ومرضعات وأطفال دون الخامسة من العمر، في محافظات الوسط والجنوب سيكونون عرضة لاستقبال أكثر الأضرار من نتائج الفوضى المؤقتة التي يمكن أن تحدث في الأيام الأولى من الصراع. من اجل هذا كله، ولإنقاذ المواطنين العراقيين من كل هذه الاحتمالات التي قد تسبب خسارة بشرية فادحة، قدمت دولة الإمارات مبادرتها الإنسانية، وهي في مجملها تحفظ للشعب العراقي بألا يتعرض للآثار السلبية للصراع العسكري من جهة وتحفظ للنظام العربي بشكل عام ماء وجهه السياسي. حيث سيكون من الممكن وقتها إنقاذ ما يمكن إنقاذه وتوفير الثمن الإنساني الذي سيضطر العراقي البسيط أن يدفعه في زحمة اصطكاك جنازير الدبابات و أزيز الطائرات وهدير المدافع. إلا أن العقل مع الأسف يبدو انه في إجازة، أو أن بعض المحللين يعودون بنا لأيام ما قبل أحداث أفغانستان عندما سمعنا البعض يقول ان أفغانستان كانت مقبرة للإنجليز و السوفيات وبالتالي أنها سوف تصبح مقبرة للتحالف الدولي، ونسي هذا البعض حقيقة أن التاريخ لا يكرر نفسه! ـ كاتب كويتي