الثلاثاء 8 محرم 1424 هـ الموافق 11 مارس 2003 لا جدال بأن هناك سننا كونية تحكم قوانين النجاح الخاص والعام وتضبط حركة الانسان والمجتمع وفق شروط خاصة من اهمها العمل والنظام واستثمار الامكانات لتحقيق الاهداف العليا، بغض النظر عن كونها اهدافا شخصية او مجتمعية. وتعتبر «المبادرة» احدى القوى الايجابية الباعثة على اختصار المسافة بين تحقيق الغاية وبين لحظة الاختيار الخاص بها. والمبادرة احدى اهم دلائل الارادة والجرأة والثقة بالنفس، والجدية في التعامل مع الواجبات، والدقة المتناهية في تفعيل الزمن. وكما ان المبادرات الفردية تؤثر على واقع الانسان وعلى مستقبله فهي كذلك تترك بصماتها الواضحة على المجتمع اذا ما هييء لها شركاء جادون لديهم نفس الرغبة في تكييف الواقع تبعا للاهداف المنشودة والتي تتطلب جهودا استثنائية لتحقيقها على النحو الامثل. ومن دون شك ان الاداء العام لاي مجتمع يتأثر بشكل مباشر مع المبادرات الخاصة والعامة، وكلما كثر عدد المبادرات الجادة التي يقدمها افراد نابهون لديهم رؤية نافذة للحياة من حولهم، ويرون الواقع باعتباره تجارب متراكمة صنعها الانسان وافرزها على الصورة الماثلة للعيان، وخبرات متتالية قام بها اعضاء المجتمع وانتجت الوضع القائم، وبالتالي فان التغيير يغدو امراً ممكنا ومؤيداً بالحجة والدليل بما يقطع حبل الشكوك في امكانية اجراء تعديل جذري على اداء المؤسسات وتقويم السلوك العام. ورغم وضوح هذه القاعدة العملية وجدارتها بالاحترام الا ان الاكثرية تصر على رفض هذه القاعدة جملة وتفصيلا بل ويظهر من يحاربها في عقر دارها، ويوجه لها سيلا من الانتقادات القوية، والسبب الجهل التام بسنن التغيير والتحول في حياة الفرد والجماعة. ويتخذ الجهل الشنيع بقيمة المبادرة في تجويد الحياة مظاهر شتى وصورا عديدة ومتداخلة يجمعها رابط قوي يشد بين اوتارها، وينظم خطوطها المبعثرة ليقدم لنا في النهاية صورة هزيلة لجمهور عريض فقد الايمان بنفسه، وخانته قواه العقلية وتخبط في اختياراته، وفشل في تحديد آلية عمل ترتقي بأدائه، وتضعه في مكانه اللائق به كإنسان مصر على ان يرى الواقع افضل مما هو عليه، وعلى ان يتخذ لنفسه مكانا ينطلق من خلاله للعمل والحركة. وكم ترك الجهل وراءه من ضحايا فتك بعقولهم وهم يبتسمون، ودمر خلايا التفكير لديهم وهم يظنون انهم يحسنون صنعا، وكم منعهم من استيعاب آلاف الدروس التي ابدعها «رواد المبادرة» في التاريخ الانساني كله. وقد يقول متسرع: «ومن هو المغفل الذي يماري في جدوى المبادرات الفردية في تحسين الواقع العام؟ ان عدد هؤلاء قليل ولا يستحقون الاشارة اليهم. وغالبية الناس تثمن المبادرات الفردية، وتقتنع بدورها في تطور البشرية وفي الارتقاء بحياة الشعوب والامم»!! لكن ما يرد هذه النظرة الوردية، والدفاع عن الجماهير الصامتة هو ردود افعال الناس ازاء الظواهر السلبية، وانسياقهم نحو تكريس تلك الظواهر عن طريق الذوبان فيها الى الدرجة التي تصبح معها الجموع الغائبة عن الوعي جزءاً من نسيج الظواهر السلبية، الامر الذي يترجم حالة الذهول التام عن نتائج هذا التخاذل المكشوف، والعجز عن اتخاذ مواقف مسئولة ازاء الاخطاء كائنا ما كان مصدره وباعثه. ان اكبر اسباب تلاشي الشعور بقيمة المبادرة في تجويد الحياة هو انخفاض الشعور بالمسئولية الفردية الى درجة قاتلة تمهد لتعميم السلوك الرديء، وتدفع اصحابها لاستنساخه وسبغ شرعية مطلقة على التصرفات الشخصية من دون الشعور بالحاجة الى مراجعة الذات ونقد المواقف الذاتية الامر الذي يجعلنا نتوقع المزيد من المثالب والعيوب تلحق بأداء افراد المجتمع وتضعف فاعليتهم طالما ان الفجوة تتسع ما بين الواقع والمثال، والخرق يكبر على القابضين على الجمر المؤمنين بأن المسئولية الفردية هي السبيل لتخفيف ازماتنا الراهنة وتحويل الفشل الى نجاح. ولكل المشتغلين بقضايا التنمية البشرية نقول: ابدأوا بايقاظ الهمم النائمة تحت رماد السبات الطويل، وافتحوا حواراً مع الذات الانسانية التي امرضتها الراحة، واسقمتها الليونة والرخاوة. علموا هؤلاء الضاحكين في مواقف الحزن المكثرين سواد الاقزام، المبتسمين للانحراف ان الانسان مسئول عن صياغة واقعه ومستقبله وان السماء لن تمطر فضة ولا حتى نحاساً انما تهب الحياة لمن يستحقونها، فلماذا تصرون على ان تظلوا بعيداً عن رحمة السماء؟!