الثلاثاء 8 محرم 1424 هـ الموافق 11 مارس 2003 شغلني منذ أيام كتاب أميركي أترجمه وتنشره «البيان» عن السياسة والغذاء. ويرتكز الكتاب على الدعوة الى حسن اختيار أنواع الأغذية الصحية، وما تلقاه هذه الدعوة وأنصارها من مقاومة شركات صناعة الأغذية والتي لا تتورع عن استخدام نفوذها لدى الحكومات والكونغرس الأميركي وبعض مراكز البحث، وشراء العلماء والوزراء والصحافيين لضمان تسويق منتجاتها بغض النظر عن مدى كفاءتها الغذائية أو سلامتها من النواحي الصحية والطبية. وأخذني الفكر بعيداً آلاف السنين الى حقيقة لا يدحضها إلا جاحد أو جاهل، وهي أن عقيدتنا الاسلامية الحنيفة، ورسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام كانا سباقين الى أهمية ما يأكله الانسان وأثره على صحته اذ نجد القرآن الكريم يأمرنا بقول الله تعالى: «وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين». أما الرسول الخاتم عليه الصلاة والسلام فيحذرنا وينصحنا في حديثه الشريف الذي يقول فيه: «ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطنه، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه، وثلث لنفسه». ويرشدنا رسول الله عليه أفضل الصلاة أن اللقيمات تكفي الانسان وتحفظ عليه حياته. ويا لسعادة الرجل الذي يجد قوت يومه ويشعر بالأمان وهو بين أهله ويتمتع بصحة جسده. يقول عليه الصلاة والسلام: «من أصبح آمنا في سربه «أي في قومه» معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها» أي جمعت له الدنيا بأسرها. وأقرأ معي عزيزي القارئ ما يروى عن خاتم الأنبياء وعن عاداته في تناول الطعام اذ يقول الرواة والمؤرخون: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشبع اذا وجد، ويصبر إذا عدم، ويأكل الحلوى إذا قدر عليها، ويشرب العسل إذا اتفق له ويأكل اللحم اذا تيسر، ولا يجعله ديدنا. ويروون أيضا عن الرسول قوله عليه الصلاة والسلام: «المؤمن يأكل في معي واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء». وبعد مئات السنين تأتي باحثة أميركية كبيرة واستاذة في الجامعة وخبيرة في علوم التغذية لتنصح الناس بأن «يأكلوا أقل» وهو شعار رفعه علماء التغذية والصحة في بلادها لينصحوا الناس ويقاوموا دعوة صناع الأغذية للناس لأن يأكلوا كميات أكبر. بل ان المسلمين الأوائل وعلى رأسهم كبار الصحابة رضي الله عنهم كانوا أزهد الناس وأكثرهم انصرافا عن الاسراف في مآكل الدنيا ومشاربها، فها هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول للناس محذرا من التخمة: إياكم والبطنة فإنها ثقل في الحياة نتن في الممات، وقال آخر من السلف الصالح: «لأن أترك لقمة من عشائي أحب إلي من قيام ليلة، والجوف إذا خلا كان أعذب للتلاوة وأدوم للقيام وأقل للمنام» ألا يذكرنا هذا القول فعلا بعذوبة التلاوة والعبادة والصلاة ونحن صائمون في شهر رمضان وفي غيره. وقد أعجبني ما ذكره السيد يوسف بدري في كتيب صغير له صادر في القاهرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عرضت عليه الدنيا وخزائنها فقال عليه الصلاة والسلام: لا.. بل أجوع يوما وأشبع يوما، فإذا جعت صبرت وتضرعت، وإذا شبعت شكرت». وأخيرا.. قيل ليوسف عليه السلام: لم تجوع وفي يدك خزائن الأرض؟ فأجاب قائلا: أخاف أن أشبع فأنسى الجائع»