الثلاثاء 8 محرم 1424 هـ الموافق 11 مارس 2003 ثلاثة عقود من الألم في العراق، ثلاثة عقود تشرد فيها آلاف العراقيين بين افئدة الارض، ومات من مات منهم في حروب طاحنة وايام مظلمة، فقر وفاقة وارتحال وغربة وشتات حتى في الوطن المحاصر بالجوع. لا يهمنا في العراق سوى ناسه الطيبين، البسطاء، من الذين لا ناقة لهم ولا جمل في هذا كله. ما يهمنا في العراق اطفاله الذين يولدون على صور الموت والمرض والمستقبل القاسي، ما يهمنا في العراق الشخصية العراقية التي نعرفها وصرنا نراها على غير ما هي عليه. هل ستطبب الـ 900 مليون دولار الاميركية التي رصدها بوش وتتسابق الشركات الاميركية قبل غيرها على «الكعكة العراقية» كما يصفها الاعلام اليوم للفوز بالقطعة الكبيرة منها، تلك التي يسيل لها لعاب اليهود قبل غيرهم. الحرب التي ستأتي قاسية جدا، وعيوننا على اولئك الذين سيشل الرعب ادمغتهم، اولئك البسطاء الذين لا ناقة لهم ولا جمل في الحسبة كلها، لا ناقة لهم في السلطة، ولا جمل لهم في «الكعكة» المتنازع عليها. ويبقى السؤال حائرا امام الهول القادم، وستكون الحيرة مدمرة وقاتلة حينما نرى البث المباشر للفضائيات وهي تنقل لنا صور الدم واشلاء العراقيين. العراقيون الذين نعرف ان ايديهم مغلولة وراء ظهورهم، اولئك الذين كتب الحزن والالم على جدران حناجرهم النائحة. اولئك الذين كتب عليهم هذا المصير منذ العقود الثلاثة. ليس بيد العرب حلا سوى الفرجة، وليس لدى اميركا سوى الموت والدمار، فمن يطمئنا ان العراقيين سيكونون بخير وسط القنابل الحديثة، والصواريخ التي لا ترحم ولا تميز مهما بلغت دقتها وتقنياتها. البارود الذي ينفجر، والرصاصة التي تفارق بندقيتها ليس لديها رحمة القلب، انها جماد ميت لا يسكن فيها الا الموت والألم. نخشى على العراقيين الذين في عيونهم رجاء بالامان ولو كان بمقدار حبة زبيبة ولا يجدونها. هؤلاء من يؤلمنا، من سيقتلنا مشهدهم حينما تكون النار هي العقل والضمير والمنطق. في العراق مشكلة، لكن حلها ليس في الموت، ولا في عيون رضيع لا يجد فرصة لشهقته الاخيرة قبل ان يصبح اشلاء لا تحصى!! من يستطيع تصور ورسم ذلك المشهد، من سيكون حكما عدلاً بين رصاص طاش في الحواري وفي البيوت وبين عيون ذلك الرضيع امام ثدي امه. سيكون الموت مجاني. وستأتي حسبة الرحمة الاميركية المدعاة متأخرة وعلى حساب من. على حساب اولئك الذين ما باعوا ولا اشتروا، وهم ليسوا سوى عراقيين كتب عليهم العيش بين النارين. ضاعت الحيلة وضاقت العبارة والمعنى في الالم العراقي يتسع ليشمل سابع المستحيلات. هل نحضر الجنائز من الان؟ ام انها ستكون محرمة على اولئك الطيبين الذين تنزهوا عن «الكعكة» وعاقروا القناعة والان صار عليهم ان يكونوا الضحايا.