الاثنين 7 محرم 1424 هـ الموافق 10 مارس 2003 تعيش في أميركا فتطاردك نكتة قومية تسمعها مكررة على تنويعات شتى، من على خشبة المسرح حيث يرددها «الكوميديان الواقف» وهو الترجمة الحرفية لمن يؤدون نمرة مسرحية خفيفة يجمعون فيها بين فن تقليد المشاهير وفن القاء النكات الساخرة متوالية كأنما من فوهة مدفع رشاش، هم أقرب في هذا الفن الى من يعرفون في ربعنا اليعربي الأصيل باسم المونولوجست وكان أشهرهم في ربعنا المذكور أعلاه اسماعيل ياسين ومحمود شكوكو وثريا حلمي في مصر فيما كان الأشهر هو شوشو (حسن علاء الدين) على نحو ما تعي الذاكرة في لبنان (كان شكوكو أخفهم روحا وأقربهم الى وجدان عامة الشعب المصري) بدأ حياته صبي نجار في حي الدرب الأحمر بقاهرة المعز العتيقة، واشتهر بجلبابه البلدي وطاقيته الشعبية المدببة وكأنما يضع على رأسه قمعا أشبه بالمخروط. وبلغ من شغف الناس به أن صنعوا له تماثيل على شكل دمى تحاكي هيئته البلدية وهندامه الشعبي البسيط وكانت التماثيل تباع في شوارع القاهرة وحواضر الدلتا وأرياف الصعيد وتلك ميزة لم ينلها ـ على قدر ما نعرف ـ فنان آخر حتى ولو كان في مقام حضرة صاحبة العصمة أم كلثوم .. وقد نذكر في بواكير نشأتنا في حواري القاهرة الشعبية أن كان الباعة الجائلون يطوفون منادين على بضاعتهم الطريفة: «شكوكو بقزازة» والمعنى أن كانوا يقايضون الزبون السعيد أو الزبونة المفتونة بالفنان الشعبي، يعطونه أو يعطونها التمثال المصنوع من الجبس الرخيص مقابل زجاجة ـ قنينة فارغة ـ ويبدو أن كان القوم يعانون أزمة في الزجاج أو في القناني في أعقاب الحرب العالمية الثانية حتى لا نقول أنهم كانوا روادا في عملية اعادة تدوير المخلفات الصلبة من زجاج أو صفيح وما اليه حسب قوانين البيئة وهو أسلوب منتشر ـ كما لعلك تعلم ـ في أنحاء أميركا وأصقاع أوروبا حيث السكان مجبورون ـ عقبال عندنا ـ بقوة قوانين البيئة على أن يعالجوا قمامة بيوتهم على أساس تصنيف محتوياتها الى ورق صحف قديمة يتوجب تقديمها مربوطة مرتبة ومنسقة الى السيد جامع القمامة والى نفايات عادية يتوجب وضعها طبعا في أكياس البلاستيك الخفيف بلونيها الأسود أو الأبيض، سيان. ثم الى مخلفات اعادة التدوير إياها التي توضع في وعاء طويل مخصوص، هذا وإلا فلن يلتفت اليها ولن يجمعها أو ينقلها المتخصصون في هذا المجال ومن ثم يتركونها ضمن مسئولية الساكن الى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا، أو يتركونها الى يوم الدين كما حذرني يوما جاري المستر فيلبس، ضابط البحرية السابق العجوز وكان جارا لنا حين اتخذنا مسكنا لنا في إحدى القرى الصغيرة في أعالي ولاية نيويورك. نعود الى النكتة الاميركية الشائعة المكرورة وهي ليست نكتة تهكمية أقرب الى مفارقة الفلسفة كما يطلقها الانجليز، ولا نكتة رومانسية وربما صريحة الى درجة الكسوف كما يستخدمها الفرنسيون، ولا هي بالطبع نكتة حّراقة ترسلك الى نوبة من الضحك المتواصل على نحو ما يتداوله المصريون، إنها نكتة مختصرة، ظريفة أحيانا، وعادية أحيانا، نكتة أميركية، والسلام. وكل تنويعات النكتة تبدأ بسؤال: ـ هل تعرف كم عدد سكان هوليوود اللازمين لتركيب لمبة الكهرباء؟ إنهم ستة بالتمام والكمال: واحد يدير المصباح في قاعدة السوكيت والثاني لزوم تقديم الدعم ومهمة الأربعة الآخرين هي استيعاب الموقف والاستعداد لحكايته لعله يتحول الى قصة تصلح للسينما. انتهت الفكاهة الأميركانية، تضحك أو تبتسم ، تفتر ثغورنا على أساس أنه مشروع ابتسامة، ولو مغتصبة أو على اساس إذا رأيت نيوب الليث بارزة، فليس لك أن تتصور ـ واهما بطبيعة الحال ـ أن هذا الليث يبتسم ـ لكن المؤكد أننا نحيل في سرد هذه المُلَح الأميركاني ـ إن كانت كذلك حقا ـ الى كتاب متخصص لا ندري لم نحتفظ به ضمن ذخائر مكتبتنا والكتاب بعنوان «موسوعة النكات» من اصدار «نادي فريار» وهو أقدم مؤسسة ترفيه من نوعها يضم أهل النكتة وأعمدة الفكاهة في صناعة الترفيه بالولايات المتحدة، وفي عام 2004 المقبل وعليك خير يكون قد أكمل أعوامه المئة منذ تأسيسه في مقره العتيد غربي شارع 45 في مانهاتن في نيويورك، واسم النادي مشتق من معنى الأخوة فهو بمثابة كوميديان ـ إخوان كما قد نقول. ومن تنويعات النكتة أيضا سؤال يقول: ـ كم يلزم من جنود الجيش لتغيير لمبة الكهرباء. ـ يلزم خمسون: واحد يغير المصباح والتسعة والأربعون يقفون دوريات من أجل حراسته. وبالمناسبة مرجعنا الموسوعي الموقر يقع في 511 صفحة وأول نكتة فيه من أول الصفحات هي: ـ كم ممثل يلزم لتغيير لمبة الكهرباء؟ ـ يلزم 100 ممثل، واحد منهم يغير اللمبة فيما يردد التسعة والتسعون بكل عزم وكبرياء قائلين: ـ ولو، أنا أستطيع أن أؤدي هذا الدور على نحو أدق وأفضل .. ها .. ها ها... هكذا داخ المصباح الكهربائي المسكين السبع دوخات كما يقولون وسط هذه الفكاهات التي لا تكاد تضحك أحدا، اللهم إلا الأميركان الذين أصبحوا لا يأبهون بأحد، يضحكون على أي شئ، ويتجاهلون أي رادع وتفتقر قيادتهم الى أي وازع من ضمير أو إنسانية. بل أنهم يتنكرون لتاريخهم القصير العمر من حيث الزمن، الشديد الابهار من حيث الجدوى والتأثير في حياة الانسانية، أليسوا هم مخترعي هذه اللمبة، ومكتشفي امكانية استخدام طاقة الكهرباء في إضاءة جنبات الكرة الأرضية؟ قد تقوم مظاهرات حاشدة ترفض سلوك الادارة الأميركية الحالية وهي تريد لو تشعل نيران الحرب ولكن مازالت البشرية مدينة بالتأكيد لرجل أميركي هداه مولاه وأفضت به موهبته الى حيث قدم للناس مصباح الكهرباء. عاش توماس ألفا ايديسون بين عامي 1847 و1921، كان يخترع كمن يتنفس، كل يوم اختراع ، أو اكتشاف أو فلنقل ابداعاً أو اجتهاداً . أصاب إيديسون كثيرا وأخطأ في بعض الأحيان لكنه أنجز وسجل أكثر من 1300 اختراع بالتمام والكمال، وكان في مقدمتها أول جهاز تسجيل صوتي ـ فونوغراف ناجح وأول بطارية تخزين للطاقة وأول جهاز ارسال واستقبال للتلغراف ـ التلقائي ـ البرق الاوتوماتيكي. الأهم من هذا كله ما أنجزه توماس إيديسون في عام 1879 وهو الانتاج التجاري لأول مصباح كهربائي في التاريخ، ولو تصورنا كيف كان العالم قبل ذلك، لقلنا مطمئنين ان هذا المصباح كان ـ على بساطته التي نعايشها ـ بمثابة ثورة في حياة سكان الكرة الأرضية ـ قبل هذه اللمبة السحرية كانت مصابيح الجاز (الكيروسين) الخابية برائحتها النفاذة، وكانت الشموع التي لا تصمد زبالتها أمام عصف الريح .. وكان قصارى ما أنجزه البشر في مضمار التقدم بالمدن الحديثة وفي قصور الحكام والسراة، هو إضاءة بغاز الاستصباح ومازالت المراجع التاريخية تشيد بمآثر حاكم مصر الأسبق الخديوي اسماعيل قائلة (في كتاب القاهرة للأستاذ شحاتة عيسى ابراهيم رحمة الله عليه): «والخديوي اسماعيل هو أول من أدخل الإنارة بغاز الاستصباح، في الاسكندرية عام 1864 ثم بالقاهرة سنة 1868 فأضيئت شوارع القاهرة بهذا الضوء الساطع». وطبعا كان على القاهرة أن تنتظر ريثما ينجز المواطن توماس ألفا ايديسون اختراع لمبة الكهرباء وبعدها تحيل غاز الاستصباح الى المعاش وتحتفل بمقدم لمبة الكهرباء التي حارت في تبديلها فكاهات الأميركان. والمشكلة أننا ما سُقنا هذا الحديث إلا لأن لمبة الكهرباء في طريقها شخصيا الى التقاعد .. ومن ثم التلاشي من حياة الناس سوف يخبو ضوؤها بالتدريج خلال السنوات القليلة المقبلة على نحو ما يؤكده الكاتب الأميركي «بارنابي فيدر» الذي لم يفلت من حصار النكتة القديمة: ـ ترى كم عدد العلماء اللازمين لتغيير لمبة الكهرباء؟ والجواب ليس فكاهيا بحال، لأنه تغيير الى الأبد استلزم جيلا بأكمله من علماء الالكترونيات ومن اليهم لكي يحيلوا لمبة الكهرباء التقليدية الى المعاش حتى لتصبح أيقونة أو تميمة طريفة من ذكريات الماضي الجميل (مثل مصابيح الغاز العتيقة) التي استخدموها منذ 100 سنة .. على أن يحل محلها ـ كما يبشر أهل العلم والصناعة المتخصصون ـ رقائق الكترونية دقيقة من حيث الحجم، كفؤة من حيث الاضواء وألوان الطيف المشعة منها، وهي أيضا طويلة العمر تدوم زمنا أطول فيما تستهلك قدرا أقل من الطاقة. وفي كل حال فالبشرية لن تنتظر طويلا، حسبها إذا ما ربك ستر واذا ما وقتها عناية السماء من بطش ورعونة اللاعبين بالنار، حتى حلول عام 2007، أربع سنوات فقط لا غير وبعدها يستخدم الناس الرقائق الالكترونية المتناهية الصغر والمتهاودة الثمن، وتوضع اللمبة الكهربائية العزيزة في متاحف الذكريات. وبالتالي، وهذا هو الأهم، يكف الكوميديان الأميركي واقفا أو قاعدا أو مستلقيا عن ترديد حكايات تركيب اللمبة التي ألمحنا اليه، فمن هذه الحكايات ما يمكن ـ جدلا ـ أن يكون طريفا، لكن أغلبها ـ والحق يقال ـ لا يصدر سوى عن ثقل الدم ولا يبعث إلا على مزيد من الاستفزاز