الاثنين 7 محرم 1424 هـ الموافق 10 مارس 2003 من اجل تبرير ضرب العراق قرر الرئيس بوش تنحية مبدأ «فصل الدين عن السياسة» فبينما يهييء الرئيس الاميركي نفسه لاصدار امر الى نحو 300 ألف جندي اميركي، مدعومين بمئات الطائرات والصواريخ والدبابات والمدرعات والمروحيات لصب الجحيم على الشعب العراقي، فانه يقول للشعب الاميركي انه يصلي يوميا «من اجل هداية العراق» وكأن العراق وليس الولايات المتحدة هو الطرف الذي يقرع طبول الحرب استعدادا لشنها. وعلى الساحل الاخر من المحيط الاطلسي نجد ايضا رئيس الحكومة البريطانية توني بلير ـ شريك الرئيس الاميركي ـ يضفي على سياسته الحربية تجاه العراق طابعا دينيا فهو يقول ان ضرب النظام العراقي يستند الى «مشروعية اخلاقية مسيحية». وابادر أولا فأنبه ان الحرب الاميركية البريطانية المزمعة على العراق لن تكون بالضرورة ـ اذا اندلعت فعلا ـ عدوانا دينيا صليبيا. فبالرغم من مظهر «التقوى» المسيحية الذي يتقمصه كل من بوش وبلير، فان الدوافع الاميركية والبريطانية لهذه الحرب لا تخرج عن اعتبارات العدوانية الرأسمالية الكامنة وراء ظاهرة العولمة الاقتصادية الهادفة الى فرض استعمار اقتصادي جديد على شعوب العالم ـ بما فيها الشعبان الاميركي والبريطاني. العاطفة الدينية المسيحية في هذا السياق انما يستغلها بوش وبلير كأداة من ادوات فن العلاقات العامة لتبرير حرب غير قابلة للتبرير والترويج لها تحت شعارات زائفة منها البعد الديني. ومن هذا المنظور فان النداءات الدينية التي يطلقها الرئيس الاميركي وحليفه البريطاني ليست موجهة الى شعوب الامة الاسلامية من منطلق صليبي وانما هي موجهة الى الشعوب الغربية خاصة الشعبين الاميركي والبريطاني، كحملة اعلانات تجارية لاستقطاب الجمهور. ولكن في حمأة هذا الزخم الدعائي الزائف يبدو ان هذين الزعيمين المسيحيين نسيا مبدأ «فصل الدين عن الدولة» ـ الاساس التقليدي الذي تقوم عليه المؤسسة الديمقراطية في كافة انحاء الغرب. ان الديمقراطية الغربية هي بالضرورة علمانية ـ سواء من ناحية التفلسف التنظيري او التطبيق الواقعي، هذه مسألة محسومة منذ القرن التاسع عشر، لدرجة ان مبدأ «فصل الدولة عن الكنيسة» ارتقت ذاتها الى مستوى التقديس في الديباجات الدستورية لمختلف دول الغرب المسيحي. اكثر من ذلك فان الحملة الضارية المتنامية التي ظل الغرب يشنها دون هوادة خلال السنوات العشرين الاخيرة ضد ظاهرة «الاصولية الاسلامية» او «الاسلام السياسي» في العالم الاسلامي، يقوم مرتكزها الاساسي على اعتبار ان الاسلاميين يخلطون بين الدين والدولة ويستغلون الدين لصالح السياسة، يقال هذا عن الاسلاميين وكأنهم أتوا منكرا عظيما من المنظور الغربي. الآن يقول لنا جورج بوش: «اذا كنا سنشرك جنودنا في الحرب فسوف اصلي من اجل سلامتهم وسوف اصلي من اجل سلامة ارواح العراقيين الابرياء ايضا». ومن حين لآخر يقول لنا الاعلام الاميركي ان الرئيس «مسيحي ملتزم» يطالع صفحات من الكتاب المقدس كل صباح. اما توني بلير فيقول عنه قسم من الصحافة اللندنية ـ في مقدمتها صحيفة «صن» ـ انه يشذ عن كافة من سبقوه من رؤساء الحكومات البريطانيين.. فهو ليس شديد التدين فحسب، بل انه اشد مسيحية منهم جميعا. «انه رئيس الوزراء الاشد تمسكا بالمسيحية منذ عهد وليام غلادستون الذي تقاعد عن الحكم نهائيا في عام 1894». والسؤال الذي ينبغي ان يطرح هو: ألم يجد هذان الزعيمان الغربيان المتدينان اي هدف في هذا العالم جديرا بهجوم شامل وماحق سوى دولة عربية مسلمة اسمها العراق؟ في التبرير «الاخلاقي» الديني لضرب العراق يقول كل من بوش وبلير ان الرئيس صدام حسين استبدادي دموي وان نظامه خطر على شعبه وعلى شعوب الجوار، وانه يمتلك اسلحة دمار شامل لن يتردد في وقت ما في ارسالها الى الاراضي الاميركية والبريطانية. لكن هذين الزعيمين الغربيين المتسلحين بالدين والاخلاق، لا يقولان لنا لماذا لم يستهدفا ايضا ارييل شارون وكافة مؤسسات الحكم الاسرائيلية التي تجثم قواته على ارض مغتصبة تمارس على شعبها المقهور مذابح يومية على مدار الساعة والاسبوع والشهر والعام؟ وهل خطورة صدام حسين ـ ان كانت له خطورة حقا ـ على البشر في هذا العالم اشد من تجارة المخدرات العالمية وتجارة الدعارة؟ وهل خلا العالم من الاستبداديين الدمويين تماما فلم يبق منهم سوى صدام حسين في العراق؟ ان جورج بوش وتوني بلير يفتريان على الله الكذب بكل معيار من المعايير الاخلاقية في الكتب المقدسة للعقائد السماوية الثلاث دون استثناء.