الاثنين 7 محرم 1424 هـ الموافق 10 مارس 2003 للممارسات السياسية دائما وجهان، وجه معلن وظاهر يطرح على الناس ووجه باطن لا يدري خفاياه، الا العالمون ببواطن الامور كما يقال، ولذا فقد كان لتصويت البرلمان التركي يوم السبت الاول من مارس الجاري برفض طلب الحكومة السماح بنشر قوات اميركية على الاراضي التركية، وجهان ايضاً وجه ظاهر يؤكد على الديمقراطية وممارستها بشفافية ليس في تركيا فحسب ولكن ايضاً داخل حزب العدالة والتنمية الحاكم الذي صوت حوالي سبعة وتسعين من نوابه ضد رغبة حكومتهم، فيما اعتبر اول ممارسة سياسية تتم في تركيا بهذا الشكل ان يصوت اعضاء من حزب حاكم ضد طلب حكومتهم، حتى ان رئيس الحزب رجب الطيب اردوغان وقف في اليوم التالي للتصويت في مقر حزبه مشيدا بحرية الممارسة الديمقراطية داخل حزبه واحترام ارادة النواب، وفي نفس الوقت ماداً يده للولايات المتحدة بألا يؤثر التصويت على العلاقة الحسنة بين الطرفين. كما خرج السفير الاميركي على الصحفيين بعد التصويت ليعلن عن احترامه للديمقراطية التركية. لكني قبل عملية التصويت بيومين كنت احاول فهم الصورة وما يدور وراء الكواليس من اطراف عديدة داخل الحزب وخارجه بل ومن مراقبين مستقلين للاحداث، وكان معظم هؤلاء يشيرون إلى ان القرار لن يمر من مجلس النواب في التصويت الاول، ليس لانه لن يمر اطلاقاً ولكن لان اللعبة السياسية تقتضي ان يتم هذا بعد ان بدأت حكومة حزب العدالة والتنمية تواجه مظاهرات واحتجاجات في الشارع التركي بلغت ذروتها حينما اجتمع ما يقرب من خمسين الف متظاهر فطوقوا البرلمان اثناء عملية التداول على التصويت، وعلاوة على ذلك فإن هناك اسبابا جوهرية اخرى من اهمها: اولا: ان رجب الطيب أردوغان رئيس حزب العدالة والتنمية سوف يدخل الانتخابات البرلمانية الفرعية في التاسع من مارس الجاري، واي تصويت لصالح انتشار القوات الاميركية قبل هذا التاريخ يمكن ان يؤثر سلبا على نتيجة الانتخابات ومن ثم يحرم رئيس الحزب من دخول البرلمان ومن ثم يصبح رئيساً للوزراء بدلاً من عبدالله جول الذي المح إلى ذلك صراحة خلال المؤتمر الاسلامي الذي عقد في الدوحة يوم الاربعاء الماضي من ان ايام حكومته اصبحت معدودة، كما ان كافة الاستطلاعات اكدت هبوط شعبية الحزب في حالة تصويته لصالح انتشار القوات الاميركية، ومن ثم فإن تأجيل موافقة البرلمان او ترحيلها إلى ما بعد فوز أردوغان في الانتخابات هي امر تكتيكي مهم في هذه المرحلة، بل ان رفض البرلمان الآن يمكن ان يؤدي إلى حسم المعركة لصالح اردوغان دون أي عناء يذكر كما هو مخطط. ثانيا: ان بعض الوحدات من القوات الاميركية لاسيما من طائرات الاباتشي التي ستلعب دورا مهما في معارك القوات البرية في شمال العراق لم تصل بعد للسواحل التركية وبحاجة إلى اسبوعين تقريبا حتى تصل وتكتمل جاهزيتها، ومن ثم فإن اميركا لا تمانع في ترتيب اوراق التصويت ومنح الحكومة فرصة لزيادة شعبيتها، وكذلك استكمال القوات الاميركية لجاهزيتها، وهذا ما دفع رئيس الحكومة عبدالله جول ان يعلن انه لن يتم عرض مشروع طلب جديد على البرلمان في الوقت الراهن، كما ان رئيس البرلمان اكد على ضرورة اصدار قرار جديد من مجلس الامن قبل التصويت على طلب الحكومة. الامر الثالث والمهم هو ان الحكومة التي مازالت في شهورها الاولى والتي يعلق الاتراك آمالا كبيرة عليها في ان تحل مشاكلهم الاقتصادية المزمنة لا تريد ان تخسر ثقة الشارع بها بعدما بدأ الناس يتململون ويشعرون ان الحكومة تعمل ضد رغبتهم، حيث صوت اكثر من اربعة وتسعين في المئة من الاتراك ضد الحرب، كما ان الحكومة رفعت في الثالث من الشهر الجاري الضرائب بمقدار مئة في المئة على بعض الخدمات ورفعت كذلك اسعار البنزين، مما آثار استياء واسعا في الشارع التركي، ومن ثم فإن تفويت قرار الموافقة من البرلمان يجب ان يتم من خلال ان آخر الدواء الكي ولا يوجد امام الحكومة غير ذلك، وكما رفض البرلمان بفارق ثلاثة اصوات فقط فإنه يمكن ان يوافق بفارق صوتين او ثلاثة وتكون اللعبة الديمقراطية هي في كلتا الحالتين الرفض والموافقة. ولعل طلب رئيس الحزب رجب طيب اردوغان من نوابه يوم الثلاثاء الرابع من مارس ان ينحوا مشاعرهم ومعتقداتهم جانبا اثناء التصويت القادم دليل على رغبة الحكومة في النجاح عند اعادة الطلب إلى البرلمان، وقد تسربت معلومات مؤكدة ان حوالي ثلاثين عضوا ممن عارضوا سوف يصوتون ايجابا لصالح طلب الحكومة عندما يعرض مجددا. ان ما حدث من الناحية السياسية يعد نجاحا كبيرا للحكومة وتأكيدا على ان اللعبة السياسية لا تخلو من الممارسات الخادعة والألاعيب الخفية، لكن الشعوب في النهاية ليس لها سوى من يحرك عواطفها ويمتص غضبها حتى ولو إلى حين. ـ كاتب واعلامي مصري