الاثنين 7 محرم 1424 هـ الموافق 10 مارس 2003 قبل حوالي أسبوعين وبالتحديد في الخامس عشر من فبراير نشرت لي «البيان» مقالا عنوانه: «من المسكوت عنه في الملف العراقي». وفيه استشرفت احتمال أن تؤدي تطورات الملف العراقي لمواجهة عسكرية غير متوقعة بين تركيا والولايات المتحدة الأميركية. وقبل أن ينتهي فبراير بدأت النذر تتوالى كأنها جبل جليد عائم لم تكن تبدو منه إلا قمته. ورغم أهمية التحليل فسأركز مقالي هذا عمدا على جمع المؤشرات المتناثرة التي تعزز هذا الفرض الذي يبدو مستبعدا ومثيرا في آن واحد. محور أنقرة موسكو وقد أوردت في مقالي السابق قصة أحب أن يستعيدها معي القارئ مرة أخرى في سياق ما استجد. فقد روى لي « المفكر القومي المعروف (المرحوم بإذن الله) الدكتور عصمت سيف الدولة، أن عبد الناصر غادر مصر بحرا متجها إلى سوريا ومزمعا عقد وحدة ثلاثية (مصرية ـ سورية ـ عراقية). وبينما هو في عرض البحر اتصل به الرئيس اليوجوسلافي جوزيف بروز تيتو طالبا منه أن يزور بلجراد على وجه السرعة وقبل أن يزور دمشق. وتوجه عبد الناصر إلى بلجراد، وهناك أخبره تيتو بضرورة التوجه لموسكو قبل إعلان الوحدة، وتوجه عبد الناصر في زيارة لم يعلن عنها وأبلغه المسئولون السوفييت أن عليه ألا يفكر في العراق في إطار أي مشروع وحدوي، لأن حدوث إحياء قومي يمكن أن يثير حالة من الإحياء القومي في جنوب الاتحاد السوفييتي تكون له آثار سلبية كبيرة على الرابطة الأممية. والقلق التركي المتصاعد الذي لا يجد اهتماما جديا من الإعلام العربي له جذوره في التاريخ والجغرافيا، فالأكراد الذين يعدون المشكلة الأخطر بالنسبة لتركيا يشكلون 12 % من سكانها ويعيشون على 30 % من أراضيها، وما تخوفت منه موسكو في الخمسينيات هو نفسه ما تتخوف منه أنقرة الآن، وبالطبع تشاركها القلق موسكو التي بالغ المحللون في تقدير البعد النفطي لموقفها من العمل العسكري المحتمل، رغم أن مخاطر تغير خريطة العراق تمثل بالنسبة لها ما هو أخطر. حيث يمتد وجود الأقليات الكردية حتى حدودها، كما أن ظهور كيان سياسي كردي قد يؤدي لحالة إحياء قومي بين الأقليات داخل روسيا الاتحادية نفسها. وانطلاقا من هذه الحقيقة ولأول مرة منذ بدأ الخلاف العربي على الملف العراقي أعلن وزير الخارجية الروسي إيغور ايفانوف (الجمعة 28 فبراير) أن روسيا ستستخدم حق الفيتو في الأمم المتحدة للحفاظ على الاستقرار في العالم إذا كان ذلك ضروريا، وأضاف أن : «روسيا لن تدعم قرارا يفتح المجال أمام حل للمشكلة العراقية بالقوة»، كما نقلت وكالة أنباء ايتارـ تاس عن مصادر في الكرملين قولها إن روسيا قد تستخدم حق الفيتو عندما سيرفع مشروع قرار جديد إلى مجلس الأمن. وقد حذر إيغور إيفانوف من عواقب حرب على العراق وخلص إلى القول «في حال استخدمت القوة لتسوية الأزمة العراقية قد ينجم عن ذلك عواقب خطيرة، ليس فقط على المستوى الاقليمي بل أيضا على المستوى العالمي». ومن يتأمل النقاش الأميركي التركي حول قبول تركيا استخدام أراضيها منطلقا لعمل عسكري ضد العراق يكتشف الحجم الحقيقي للمشكلة. فرغم علاقات التحالف الأميركي التركي الوثيقة تبدي تركيا موقفا أقل مرونة ـ من المنظور الأميركي طبعا ـ من دول عربية أخرى منحت الولايات المتحدة الأميركية تسهيلات عسكرية. وقد طلبت تركيا منحها حق التواجد العسكري في شمال العراق كشرط لقبول استخدام أراضيها في العمل العسكري، ثم طورت موقفها لتشترط ـ كما أعلن رئيس حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا رجب طيب اردوغان في مقابلة بثها تلفزيون « سي إن إن / تورك» ـ أن يكون عدد الجنود الأتراك الذين يدخلون شمال العراق يفوق بمرتين عدد الجنود الأميركيين في شمال العراق في حال تقرر شن حرب. وردا على سؤال حول ما إذا كانت تركيا ستنشر 40 ألف جندي إذا نشرت الولايات المتحدة 20 ألفا، قال اردوغان « نعم. هذا ما أعرفه» وبطبيعة الحال يعكس موقف «الإملاء» الواضح من جانب تركيا عمق مخاوفها. شبح الحرب وتشكل شمال العراق منطقة حساسة للغاية بالنسبة لتركيا التي تتواجد قواتها فى المنطقة منذ عام 1993، وقد أشارت صحيفة «راديكال» التركية إلى أن انعدام الثقة والبعد الأمني بين تركيا والفصائل الكردية يزيد صعوبة قيام الولايات المتحدة بتنفيذ عملياتها العسكرية ضد العراق رغم تحديد إطار سياسي بين الولايات المتحدة وتركيا. ويبرر الترك موقفهم بأنه لاجهاض إقامة دولة كردية في شمال العراق، وهو ما تطور حتى وصل لحد أن تهدد أنقرة بمواجهة عسكرية مع واشنطن والأكراد. وقد كشف مسئول تركي أنه : «إذا تم التحرك لإقامة دولة كردية شمال العراق فإن تركيا ستقف وجها لوجه ضد الولايات المتحدة والأكراد، وأكد المسئول التركي أن أنقرة لن تسمح مطلقا وتحت أي ظرف بإقامة دولة كردية، وأنها مستعدة للدخول فى حرب ملحة إذا استدعى الأمر ذلك. وقال المسئول التركي إن أنقرة بعثت مؤخرا رسالة جدية للولايات المتحدة مفادها أنه بدون القوات التركية فان منطقة شمال العراق ستتحول إلى فلسطين أخرى». ولا شك في أن تشبيه الوضع الذي يمكن أن يترتب على قيام الدولة الكردية بالوضع في فلسطين تشبيه موحٍ ولا يحتاج إلى تعليق. من ناحية ثانية، حذر الزعيم الكردي مسعود البارزاني من أن الأكراد سيدفنون الأتراك في شمال العراق، ثم كرر قادة فصائل المعارضة العراقية المجتمعة في صلاح الدين (كردستان العراق ) قبل أيام تحذير تركيا من عواقب وخيمة في حال تدخلت عسكريا في العراق، وأكد المتحدث باسمهم أن المعارضة «موحدة في معارضتها لأي تدخل تركي»، محذرا من أن مثل هذا التدخل سيكون عامل عدم استقرار، وسيخلق مشاكل، ومواجهات. واشتعلت حرب التصريحات فحذر الناطق باسم الرئاسة التركية أكراد العراق مما وصفه بالتصريحات الاستفزازية. وعقب ذلك نقلت أنقرة للولايات المتحدة قلقها من أنه إذا كان زعماء الفصائل الكردية وقبل تسليحهم يدلون بهذه التصريحات العدائية لتركيا فما الذي يمكن أن يحدث فى حالة تسلحهم بأسلحة ثقيلة كالمدفعية والدبابات والصواريخ كما تريد واشنطن !! لا الدولة ولا الفيدرالية وكلما أبدت الولايات المتحدة رغبة في إرضاء تركيا طرحت تركيا المزيد من الشروط، وقد كشف مسئولون أتراك مؤخرا أن الولايات المتحدة وعدت أنقرة بالحؤول دون فرض الأكراد لصيغة فيدرالية لعراق ما بعد الحرب تضمن استمرارية حكمهم الذاتي لكردستان العراق. وربما كان تقدير الولايات المتحدة للأهمية الشديدة للدور التركي في أي عمل محتمل هو ما دفعها لقبول هذه الشروط التركية، وهو ما وضعها فعليا في تناقض حاد مع المعارضة العراقية. ومما تكشف مؤخرا أيضا أن الولايات المتحدة وافقت على دخول القوات التركية إلى شمال العراق لمراقبة نزع سلاح الميليشيات الكردية عقب توقف المعارك. ومعنى هذه الاتفاقات السرية أن تركيا ستكون لها كلمة مسموعة في ترتيبات البيت العراقي الداخلي بعد العمل العسكري المحتمل، وهو في الوقت نفسه يعني ـ للأسف الشديد ـ أن العرب هم الطرف الوحيد الذي لم يتدخل بشكل فاعل في تحديد مستقبل العراق، وغني عن البيان أن ذلك لا يعني إضفاء المشروعية على العمل العسكري، بل يجب أخذ كل الاحتمالات في الحسبان والسعي للعب دور فاعل سلما أو حربا. تغيير النظام أم الخارطة ؟ أما الرغبة الملحة من جانب الولايات المتحدة في استخدام الأراضي التركية فتعني عمليا دلالة شديدة الخطورة بالنسبة لمسار العمل العسكري، ولعلها مفتاح فهم الموقف التركي. فالدخول من الشمال (تركيا) والجنوب (الكويت) بشكل متزامن معناه أن الولايات المتحدة ـ حتى لو أعلنت غير ذلك ـ لن تدخل وسط العراق خوفا من أسلحة الدمار الشامل العراقية التي يبدو أنها على قناعة راسخة بأن النظام العراقي يحوزها. وهي بالتالي ستحاصر ما حول بغداد وتترك صدام محاصرا حتى إشعار آخر مكتفية بالسيطرة على الشمال والجنوب، وهما بالفعل خارج سيطرة بغداد منذ أكثر من عشرة أعوام. أي أن الأكراد سيكون أمامهم على الأرجح سنوات أخرى قادمة يعيشون فيها متمتعين بحكم ذاتي وهو ما يقلق تركيا. وحسب تصريحات نسبت لوولفويتز فإن استخدام القوات الأميركية للأراضي التركية يجعل الأمور تمضي بشكل أسرع، وهو يقول : « أسرع يعني عواقب أقل للشعب العراقي قبل كل شيء، وأعرف أن هذا الأمر يهم الأتراك...... ومن وجهة نظرنا، يصبح الأمر أسهل وأفضل لقواتنا». ولكنه اختتم قائلا : «سننتصر في الحرب، مع تركيا أو بدونها. لا شك في ذلك»!! . وهذا التلويح الأميركي ببدء العمل العسكري دون الاستعانة بتركيا يعرض لمخاطر جمة، فخروج تركيا من التحالف العسكري معناه دخول قواتها شمال العراق دون ترتيب مع الولايات المتحدة، وهذا بدوره سيجعل الصدام العسكري بينهما واردا. ومن المؤكد أن تركيا لن تحجم عن التدخل إذا دارت عجلة الحرب. وتلك معضلة لم يحسمها البرلمان التركي حتى كتابة هذه السطور. ـ كاتب مصري