الاثنين 7 محرم 1424 هـ الموافق 10 مارس 2003 نسرف في احلامنا ونبالغ في مطالبنا حين نلح على القاريء العربي ان يحسن اختياراته لما يقرأ، وان يكون جاداً وقارئا فعّالا يحترم عقله ووقته، ويستعلي على الاسفاف الفكري، والتناول السطحي الذي تقدمه بعض الاقلام الهزيلة، فلا يطالع الا ما يثري حياته العقلية، ويرتقي بمفاهيمه، ويساعده على اكتساب المزيد من الخبرة النظرية والمعرفية التي تصقل شخصيته، وتدفعه للمزيد من التجويد في تنفيذ مهماته المختلفة. ولقد مرت عقود عدة والمناداة بالعودة الى الكتاب الجاد قائمة ومستمرة، وكم تغنت اصوات صادقة بفردوس القراءة المفقود، وكم بكت على اطلال الايام الخالدة حيث كانت مكتبة الصاحب بن عباد تحمل على ثمانين بعيراً، وكانت مكتبات بغداد شمساً اشرقت من جنباتها النور، واضاءت ما بين الشرق والغرب!! وكم من زفرات حارقة خرجت من صدور اهل الفكر والثقافة على ذلك الزمن الخصب الذي دفع الامراء الى وزن الكتب بالذهب. وكم اسفوا على حلقات العلم في مساجد العالم الاسلامي حيث الجامعة المفتوحة التي تربت فيها امة بأكملها عربيها وعجميها على حب العلم واحترام العلماء. لقد كان المجتمع في تلك القرون ناضجا بما فيه الكفاية، واعيا بما يؤهله للتلاحم مع ابجديات النهوض وقواعد التأثير الايجابي في حركة الحياة الانسانية بشكل عام. وكان معافى من الترهل، وامراض الترف وآفات الحياة الناعسة، كما كان محصنا من الداخل ضد الانبهار بتقاليد الشعوب التي اختلطوا بها. واليوم لم يعد المجتمع صالحا كما كان في السابق!! لم يعد دافعا للعلم ومشجعا له، بل تحول الى الموقف المضاد واعلن حربه السافرة على الفكر والثقافة واصبح ـ مع الاسف البالغ ـ اول المناهضين لاغلب محاولات ملء الفراغ الرهيب الذي يعاني منه العقل المسلم. لقد تحول المجتمع من حليف مخلص الى الافكار الفعالة الى خصم لدود لا يبالي كيفما كانت ضربته التالية الى مجمل مشاريع التنمية البشرية والتطوير المعرفي. وكان من الطبيعي ازاء هذه الحرب الباردة غير المتكافئة ان تفرز انماطا سلوكية تخرجت من مدرسة الركاكة والتسطيح، وشربت من المصادر الملوثة الضارة بالصحة العقلية التي ابدعتها قنوات التأثير الاعلامي بعد ان قامت بدور الوسيط غير المؤتمن بين فرق اهل الفن والدعاية وبين الجمهور العريض من ابناء هذه الأمة المستهدفة. ولك اخي القاريء واختي القارئة ـ ان تتأملا في نتائج هذه الوساطة السيئة السمعة التي جعلت من الانسان كائنا فاقداً للقدرة على تحديد خياراته الصحيحة نتيجة الشح في مصادر التغذية العقلية بالمجتمع، ونضوب الافكار الهادفة من حوله. ولان الانسان ابن بيئته ومرآة مجتمعه، فمن الطبيعي ان تكون التغذية الراجعة على نفس الشاكلة والهيئة، فالتسطيح الاعلامي افرز نماذج استنسخت الافكار والرموز التي ظهرت على الشاشة، وتقمصت نفس الدور واعادته الى الواقع لكي تكتمل حلقات مسلسل «الغياب عن الوعي»، وتغدو الممارسات السلبية والظواهر الاجتماعية مسائل مقبولة، وعادية وليس فيها ما يستوجب الاعتراض او النكير بما يقطع الشك باليقين ان زمن الاختيارات الجيدة قد ولّى وانقضى، وان البحث عن القاريء النهم الشغوف ببناء ذاته اصبح اليوم اندر من الكبريت الاحمر!! وما على الاقلام التي مازالت تنادي بالنهوض الثقافي الا ان تقلل من حماسها!! فالاذان في صمم، والعقول لاهية عن سماع هذه الاهازيج القديمة، فقد سحرتها الشاشة الفضية وأحاديثها الشجية!!