الاحد 6 محرم 1424 هـ الموافق 9 مارس 2003 رغم انه قد قيل وكتب الكثير حول موضوع تفشي ممارسات الدجل والشعوذة واللجوء للسحر لحل مشاكل الحياة الخاصة في مجتمعاتنا، إلا أن كل ذلك لم يهيئني للمفاجأة، التي فجرها موقع النيل والفرات وهو مكتبة الكترونية تقدم على شبكة الانترنت خدمة بيع الكتب العربية والتي قامت مؤخراً بنشر لائحة بعناوين الكتب التي حظيت بأكبر نسبة من القراءة أو البيع في العالم العربي وذلك خلال العام الماضي ليكتسب منها القاريء العربي، العلم والخبرة ولتكون المرجع الأكيد عند كل استفسار كما يقول الموقع. وإذا كنتم تتساءلون ماذا يقرأ القاريء العربي، فإن الكتب التالية قد تكشف لكم عن ذوقه ونوع تفكيره ومستوى ثقافته، فمن ضمن الكتب العشرين التي اشتملت عليها قائمة أكثر الكتب العربية مبيعاً خلال العام 2002 كان حوالي نصفها يتناول موضوع السحر والشعوذة، كما يتكشف من عناوينها التالية: «المندل والخاتم السليماني والعلم الروحاني للإمام الغزالي» و«البداية والنهاية» و«السحر العظيم» و«السحر الأحمر» و«السحر العجيب في جلب الحبيب». والمدهش أن هناك عروضاً ترويجية خاصة على مجموعة كتب السحر من نوع اثنين في واحد، التي نجدها في محلات السوبر ماركت، فإذا اشتريت مثلاً كتاب «السحر العجيب في جلب الحبيب» مع كتاب «السحر العظيم» للمؤلف عبدالفتاح السيد الطوخي فإنك بذلك توفر أربعة دولارات في السعر عما إذا كنت قد اشتريت كل واحد منهما على حدة. كما أن هناك اغراءات وارشادات أخرى لشراء مؤلفات الطوخي الذي تخصص ـ كما يبدو ـ في كتب الجان. فالموقع يقول إن الزبائن الذين اشتروا كتاب «السحر العجيب» قاموا أيضاً بشراء كتب «تسخير الشياطين في وصال العاشقين» و«تسخير الجان لمنفعة الإنسان» و«إغاثة المظلوم في كشف أسرار العلوم» و«مرشد الإنسان إلى رؤية الجان». لا بل من أجل المزيد من التشجيع على الاستزادة والاقبال على ثقافة «أشتاتاً أشتوت» هناك مقتطفات من بعض هذه الكتب معروضة على الموقع، فمثلاً يقول عبدالفتاح السيد الطوخي في كتابه «السحر العجيب» في معرض مقدمته للكتاب بأنه ـ أي الكتاب ـ لم يسمح بمثله الزمان، ولم يبح به قبله انس ولا جان، وهو كتاب نادر المثال، سهل المنال، وهو في الحقيقة توأم لكتابه «البداية والنهاية» وتكملة لدروسه وعلمه... الخ. وإذا كان هجر الكتاب في حد ذاته مرضاً مستشرياً في وطننا العربي في هذا العصر، فإن الطامة الكبرى أن نكتشف بأن جل ما تقرأه النسبة الضئيلة من القراء العرب والتي لا أستبعد أن تكون أغلبيتهم من النساء هي هذه النوعية من الكتب. فكيف ننتظر من أبناء هذا الوطن أن يعوا ويتفاعلوا مع ما يجري من حولهم أو أن تكون لهم ردود فعل تتناسب مع المؤامرات التي تحاك من حولهم وهم منغمسون إلى آذانهم في ثقافة الجان والشياطين، وهو ما يفضح المستوى المتدني لتفكير الانسان العربي. وصدق من قال: قل لي ماذا تقرأ.. أقل لك من أنت. ـــ بعد أسبوع من التهديد والوعيد فاجأتنا وزارة التربية والتعليم بقرارها الفريد بمنح المدارس الحكومية دون الخاصة اجازة مجانية، وهو القرار الذي أخذنا على غرة، سيما وان التصريحات والبيانات التي صدرت من قبل الوزارة خلال الأسبوع السابق كانت تحذر من مغبة تمديد اجازة رأس السنة الهجرية إلى يوم الأربعاء، وتتوعد بمعاقبة المتسيبين من الطلبة ومن يشجعهم على ذلك من المعلمين. ولذلك فإننا كذبنا الخبر الذي أثار دهشتنا في باديء الأمر واقتضى الأمر الكثير من التحقق والاتصالات والتقصي إلى أن تأكدنا من صدقه. ورغم اننا لا نزعم أن القرار لم يثلج صدور كل من لديه أبناء في المدارس ممن اغتنموا الفرصة للاسترخاء واستغلوا أيام الاجازة المطولة للخروج في رحلات ترفيهية، إلا أن ملابسات وظروف صدور مثل هذا القرار تبقى محيرة وغامضة، إذ لا تزال هناك بعض التساؤلات المحيطة به منها مثلاً سبب تعميم القرار على المدارس الحكومية واستثناء الخاصة وكأنها خارج الحسبة أو لا تقع تحت وصاية الوزارة على الرغم من أن طلبة المدارس الخاصة أحق بالتدليل باعتبار ان مثل هذه المعاملة التفضيلية يفترض أن تسبغ على من يدفع مقابل التعليم لا العكس، وهو ما خلق إرباكاً وبلبلة في أوساط المدارس الخاصة وساهم في خلو ثلثي مقاعد الفصول من الطلبة، وهي الظاهرة التي تحاول الوزارة عبثاً مكافحتها والتصدي لها. لا نشتكي ولا نتذمر من هذا القرار الذي كان موضع ترحيب أولياء الأمور والتلاميذ بطبيعة الحال، ولكن تعجبنا فقط من قيام الوزارة التي اعتدنا منها لهجة صارمة في مثل هذه الأمور بمنح طلبتها هبة «لله في لله» وهو الأمر الذي يستلزم في تصوري بعض الشرح والتوضيح.