الاحد 6 محرم 1424 هـ الموافق 9 مارس 2003 هل نقول: «سامح الله قناة الجزيرة» أم نقول: «جزاها اللّه عنّا خير الجزاء»؟ فهذه القناة التي مازالت كل الفضائيات تلهث خلفها محاولة اللحاق بها، لم تكتف بادخال أنماط الحوار الجديدة إلى داخل بيوتنا عبر برامجها الحوارية الملتهبة الشهيرة، وإنما أدخلت هذا النمط أيضاً إلى داخل قاعات مؤتمرات القمة العربية والإسلامية، التي أصبح لمتابعة جلساتها متعة لا تقل عن متعة متابعة صراعات الديكة على القناة الشهيرة. وأكاد أجزم أن اهتمام العاملين في أجهزة الإعلام المختلفة ـ وأنا أولهم ـ لم يكن منصباً خلال السنوات الماضية ـ قبل قمة الأول من مارس 2003 ـ على متابعة مؤتمرات القمة العربية والإسلامية عن رغبة صادقة أو لهفة عارمة لمعرفة نتائجها. فمنذ مؤتمر «اللاءات الثلاث» الشهيرة في الخرطوم، حيث تلاشت بعد ذلك «اللاءات» واحدة بعد أخرى، وحلت محلها آلاف «النعمات» أو «النقمات» أو «الخيبات» سمها ما شئت، منذ ذلك المؤتمر تلاشى اهتمام الإعلاميين ـ ناهيك عن بقية أفراد الأمة ـ بهذه اللقاءات الديكورية، وأصبحت متابعتهم لها بحكم المهنة، وغالباً ما كانت هذه المتابعة بصرية أكثر منها عقلية، فهي إما خشية انقطاع الصورة التلفزيونية ـ بالنسبة للعاملين في التلفزيون ـ أو انتهاء حجز الأقمار الصناعية قبل الانتهاء من نقل وصول القادة ومغادرتهم وجلسات الافتتاح والختام، أو ظهور لقطة غير مرغوب في ظهورها. وكان اهتمام العاملين في الصحافة منصباً على الظفر بسبق يضربون به منافسيهم، وفي مثل حالاتنا الخروج بموضوع لمقال والتقاط فكرة من هنا وفكرة من هناك لسد ثغرة نضوب الأفكار وشح سوانح الخواطر. ثم جاء الأول من مارس 2003 ليحدث هذا التحول الكبير في الاهتمام بالقمم، ابتداء من قمة شرم الشيخ الأخيرة حيث اكتسبت متابعة القمم ـ بعد هذا التاريخ ـ إثارة خاصة لا تتوفر أحياناً لبرامج الفضائيات التي تحاول إثارتنا بشتى الطرق ومختلف الوسائل ـ وإن كانت تفرض علينا وجوهاً أصبحنا نحفظ سحنة أصحابها ـ فتنجح مرة وتفشل مرات. كانت مؤتمرات القمة ـ قبل قمة شرم الشيخ ـ بالنسبة لنا أسراراً وطلاسم، وقاعات مغلقة لا نعلم ما الذي كان يدور خلف أبوابها. يجتمع القادة وأعضاء الوفود الرسمية الذين قد يطلب منهم مغادرة القاعة أحياناً شأنهم شأن ممثلي أجهزة الإعلام. وبعد يوم أو يومين يخرجون علينا ببيان غدونا نحفظ ديباجته ومفرداته وبنوده إلى الدرجة التي لم نعد معها نفاجأ بشيء منه، كما حدث بالضبط حين قام أحد القادة بقراءة توصيات أحد مؤتمرات القمة علينا عبر إحدى الفضائيات قبل انعقاد القمة، فقامت الدنيا ولم تقعد بحجة أن ما فعله خرق للبروتوكول وافشاء للأسرار التي لم تعد أسراراً تستحق الحفاظ والاهتمام منذ أن فقدنا الاهتمام بهذه القمم أصلاً. وعندما بدأ بث جلسات الافتتاح والختام وكلمات القادة على الهواء ـ ولا ندري من هو صاحب هذه الفكرة لنشكره ـ بدأنا نولي الأمر اهتماماً لكونه تقليداً جديداً لم نألفه، إذ كانت الجلسة تتحول إلى السرية بعد كلمة ترحيبية قصيرة غدونا نحفظها. وهكذا أخذنا نتابع الكلمات مبهورين بالأولى ثم الثانية فالثالثة، حتى اكتشفنا اننا نسمع الخطاب نفسه يتكرر على أكثر من لسان مع تغيير اسم المتحدث فقط دون تغيير المضمون، فأسقط في أيدينا، وأدركنا اننا نهدر الكثير من الوقت في الاستماع إلى كلام مكرر لا يخرج عما نسمعه كل يوم على شاشات التلفزيون وعبر ميكروفونات الإذاعة. وشيئاً فشيئاً أخذ يغشانا النعاس أثناء إلقاء هذه الخطب، كما يحدث لأكثر الحاضرين داخل قاعة المؤتمر ونراه على الشاشة، وكاميرات النقل التلفزيوني تتجول بين رؤساء الوفود وأعضائها كاشفة فاضحة مدى السأم المرتسم على وجوههم، وجيوش النعاس الزاحفة على عيونهم.. الفرق الوحيد بيننا وبينهم اننا نجلس في بيوتنا على أرائك مريحة نتمدد عليها أحياناً، وفي أيدينا أجهزة «ريموت كونترول» تمكننا من التحول عنهم أو إغلاق أجهزة التلفزيون نهائياً، بينما يجلسون هم مرغمين على تلك الكراسي غير المريحة، يتثاءبون حيناً، وتغفو عيونهم أحياناً، فتسقط الرؤوس يميناً وشمالاً وإلى الوراء على مشهد من العالم ومسمع. ثم جاءت قمة شرم الشيخ الشهيرة لتكسر هذه الرتابة وتبدد الملل الذي تسرب إلينا من متابعة هذه المؤتمرات لنشاهد ما يحدث في الكواليس وخلف الأبواب المغلقة عادة ينقل إلينا على الهواء مباشرة عبر «المشادة» الشهيرة التي تصر قناة «الجزيرة» بخبث واضح على تسميتها «تلاسناً» في إشارة واضحة أيضاً إلى اننا لسنا أكثر من ظاهرة «صوتية» أو «لسانية»، ومن خلال بعض التصريحات لأعضاء بعض الوفود مستخدمين ألفاظاً وأوصافاً لم نعتدها في مثل هذه اللقاءات، التي غالباً ما أخذت شكلاً بروتوكولياً يطغى عليه طابع المجاملات والألفاظ المنمقة التي لا تعبر عادة عن مخبوء الصدور، فإذا بهذه القمة تخرج عن المألوف وتخرق كل القواعد. وكنا نظنها سابقة لن تتكرر، وكدنا نعدّها من النوادر (نسبة إلى الندرة وليس التندر) حتى جاءت قمة الدوحة الإسلامية لتعيد إلى الأذهان ما حدث في شرم الشيخ قبل أيام، وإذا بـ «التلاسن» هذه المرة «تلاسناً» حقيقياً يخرج عن كل الأصول والقواعد المتعارف عليها، وإذا بنا نسمع مفردات لم نعتد سماعها من هذا المستوى الرفيع من المسئولين، لاسيما أمام كاميرات التلفزيون على مشهد من الملأ. هذه النقلة التاريخية المهمة في مؤتمرات القمة انتقلت بنا من تصيد تسريبات يحصل عليها بعض المقربين من ذوي الحظوة ويتم تداولها على نطاق ضيق إلى مشاهدة هذه «الملاسنات» ومتابعتها على الهواء مباشرة، وإعادتها لنا أكثر من مرة كي نستوعبها ونحفظ مفرداتها، ونستخدمها في رسائل الموبايل التي وجدت مادة خصبة للتندر، وأثرت من ورائها شركات الهواتف على امتداد وطننا العربي الكبير. هذه النقلة دعتنا أيضاً إلى إعادة النظر في مؤتمرات قممنا التي أخذت الحيوية تدب في جلساتها وأصبحت أكثر تشويقاً من برامج الفضائيات، ولم تعد مجرد بيانات يتلوها علينا أمناؤها العامون، تعقبها مؤتمرات صحفية لا تضيف إلى بيان القمة جديداً، اللهم إلا مزيداً من مشاهد الفوضى العارمة التي تسودها، وسوء التنظيم الذي يشوبها، والتدافع على طرح اسئلة لا يجد أغلبها جواباً شافياً ممن لا يملك أصلاً من الأمر شيئاً. فوداعاً للقمم المملة الرتيبة التي لم تصبنا إلا بالسأم والاكتئاب وهي تغلق في وجوهنا الأبواب. وأهلاً بالقمم التي من هذا النوع ـ عادية وطارئة ـ طالما أنها تضيف إلى الطبخة بهاراً يحرق القلوب ويسيل الدموع قبل أن يصل إلى الحلوق المنزوعة الحناجر، والبطون الخاوية التي تبيت على الطوى.