الاحد 6 محرم 1424 هـ الموافق 9 مارس 2003 رغم كثرة الجدل حول قضايا السودان المصيرية، لا يوجد حتى الآن تعريف لعبارة «المناطق المهمشة». لحينٍ من الدهر ظلت حركة قرنق تذكر في أدبياتها أسماء مناطق معينة، في مقدمتها جنوب السودان، وتشمل أيضاً منطقة جبال النوبة في الغرب وموطن قومية «البجا» في الشرق وموطن النوبيين في أقصى الشمال. لكن لوحظ مؤخراً أن قيادة الحركة تبدو وكأنها أسقطت من حساباتها منطقة البجا في الشرق وموطن النوبيين.. كما أسقطت ولاية دارفور في أقصى الغرب.. ثم أضافت إلى القائمة منطقة الانقسنا في جنوب النيل الأزرق ومعها مدينة «أبيي» في ولاية كردفان. والآن وفي أحدث أدبيات حركة قرنق فإن عبارة «المناطق المهشمة» تقتصر على الجنوب وجبال النوبة والانقسنا ومدينة «أبيي» فقط. وفي إطار هذا الحصر تُجرى محادثات بين الحركة والحكومة السودانية حول المصير النهائي لهذه المناطق: هل تُعتبر جزءاً من السودان الشمالي كما هو الحال أم تُضم إلى الجنوب؟ وفي غياب تعريف علمي محدد يُتفق عليه لما تعني عبارة «المناطق المهمشة» فإن المحادثات يمكن أن تستمر إلى الأبد.. من متاهة إلى أخرى. ولن يتسنى وضع مثل هذا التعريف إذا لم يتم الاتفاق أولاً على معيار أساسي لتحديد حالة «التهميش».. وماذا تعني على وجه الدقة. في أدبياتها السابقة عن «المناطق المهمشة» كانت حركة قرنق تبدو وكأنها اعتمدت المعيار الاقتصادي بمعنى التخلف الاجتماعي الذي ينشأ كنتيجة لتردي الحال الاقتصادي. لكن هذا المعيار الاقتصادي محكوم في ذهن الحركة برؤية عنصرية وسياسية. ووفقاً لهذه الرؤية فإن أدبيات الحركة تضع حداً فاصلاً عنصرياً بين العرب وغير العرب في السودان. فالتخلف الاقتصادي الاجتماعي في مناطق اللاعرب مفروض فرضاً من قبل العرب. هذا بالطبع تبسيط ساذج يتعارض مع صورة الواقع. أولاً: معيار التصنيف الاجتماعي المعتمد علمياً ليس العنصر أو اللون.. وإنما هو الثقافة. وعلى هذا الأساس فإن أغلبية السودانيين المنتمين إلى الثقافة العربية الإسلامية موزعون جغرافياً بين أنحاء البلاد قاطبة.. عدا الجنوب. وعلى هذا الأساس فإن حالة التخلف في منطقة البجا في الشرق لا تختلف عن حالة التخلف السائدة في الولايات الشمالية، ليس بين النوبيين فحسب.. بل أيضاً بين قبائل الدناقلة والشايقية والجعليين. وإذا تأملنا ظاهرة النزوح الداخلي من الأطراف إلى منطقة العاصمة الخرطوم، فسوف نجد أن أبناء هذه القبائل الشمالية كانوا من أوائل جموع النازحين مدفوعين بالفاقة وعوامل شح الموارد في مناطقهم الأصلية. قياساً على ما تقدم فإن السودان ـ كأحد دول العالم الثالث ـ يعتبر كله منطقة مهمشة كبرى. الرؤية العنصرية للأشياء هي بالضرورة رؤية عاطفية انحيازية تشوّه العوامل الموضوعية العلمية. ومن القضايا التي تشوهها الرؤية العنصرية غير العلمية قضية اقتسام الثروة والسلطة بحيث لم يعد مفهوماً ما إذا كان المقصود هو تعاون وتكافل في إطار قومي بين جهات السودان المختلفة أم هو استلاب طرف ما لموارد طرف آخر مع احتفاظ الطرف الأول بملكية موارده. إن اقتسام الثروة يقتضي أولاً تحديد مواقع الموارد الاقتصادية الرئيسية وأنواعها في كل جهة من جهات البلاد.. ثم بعد ذلك اقتسام مسئولية وكُلفة الانتاج ـ أي مسئولية استثمار هذه الموارد بتحويلها إلى مشاريع ذات عائد ترفد الاقتصاد الوطني. وعلى هذا الأساس تأتي مسألة اقتسام العائدات في آخر القائمة. غير أن قيادة حركة قرنق ومعها قيادات ثانوية تتحدث باسم «مناطق مهمشة» تريد استقلالاً ذاتياً لهذه المناطق وأن تكون الأطقم الحاكمة من بين أبنائها على أن يقع عبء إعاشة سكان هذه المناطق على عاتق جهات أخرى في البلاد. وآخر ما يمكن أن تتحدث عنه هذه القيادات هو إسهام مناطقها في الناتج القومي الإجمالي للبلاد. إن القضية تتطلب اقتراباً جديداً: فإما أن تبحث في إطار الدولة الموحدة.. وفي هذه الحالة تتفق الأطراف السودانية كلها على مبدأ التخطيط المركزي القومي على أساس التعاون والتكافل، بما في ذلك توزيع مسئولية الانتاج والمساهمة على الجميع دون استثناء ومن ثم اقتسام العائدات من منظور قومي عريض. وإما أن تُبحث المسألة في إطار الانفصال ـ أي انفصال أي طرف يرى أن الاستقلال أفضل له ـ وفي هذه الحالة يستقل الطرف المنفصل بموارده.. ويتحمل مسئوليته وحده. لكن أن ينفرد أبناء الجنوب بحكم الجنوب وأبناء دارفور بحكم دارفور، على أن يتولى شعب الشمال وحده مسئولية إعاشتهم.. فهذا مما لا يجوز ولا يليق. أحمد عمرابي