الاحد 6 محرم 1424 هـ الموافق 9 مارس 2003 أعادت التطورات الأخيرة في شمال العراق خلط العديد من الأوراق في إطار معادلة متداخلة محليا وإقليميا ودوليا، كما أفرزت هذه التطورات واقعا جديدا غامضا أصبح مصدرا للتوتر والحروب المفتوحة بين أكثر من طرف، إذ بعد سنوات من التعاون بين تركيا والحزبين الكرديين الرئيسين في شمال العراق (الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود البارزاني والاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال الطالباني) في شمال العراق ضد حزب العمال الكردستاني ثمة معركة متعددة الجوانب تدور بين تركيا والحزبين الكرديين على تحديد الشكل المستقبلي الذي ينبغي ان يكون عليه شمال العراق في مرحلة ما بعد الحرب الأميركية ضد العراق، حيث يتقاسم الجانبان (الأكراد والأتراك) الخوف من أن تكون هذه الحرب مدخلا لاحداث أي من الطرفين واقعا أمنيا جديدا على حساب الطرف الآخر، الأكراد يتخوفون من ان تستغل تركيا الحرب لفرض سيطرتها على شمال العراق تحت دعاوى أمنية واقتصادية وسياسية، والأتراك يتخوفون من ان تسفر هذه الحرب عن ولادة دولة كردية هناك تستلهم أحلام أكراد تركيا في كيان قومي حيث يزيد أعدادهم عن أكراد العراق بأضعاف. وبالتوازي مع هذه المعادلة التركية - الكردية ثمة ترقب إيراني وسوري للوضع الجاري في شمال العراق نظرا لعلاقة هذا الوضع واحتمالاته بالأمن الإقليمي المتداخل والمتشعب وفي الوقت نفسه بالدور الإقليمي لكل دولة من هذه الدول. ولكن مهما يكن شأن هذا التداخل الإقليمي وابعاده فان تركيا واستنادا إلى عوامل كثيرة تبدو الراقص الأكثر خطورة وحركة في رسم المشهد السياسي والعسكري والاقتصادي المقبل في شمال العراق. بالنسبة لأنقرة تبدو لحظة الحرب لحظة مفتوحة على الماضي وبالدرجة نفسها على المستقبل، وهي في الاتجاهين تعد نفسها امام منطقة حيوية انتزعت منها تاريخيا وباتت تجد نفسها أمام فرصة تعيد لها مكاسب سياسية واقتصادية وأمنية في هذه المنطقة، وقد تتطور هذه المكاسب على شكل مطالبة بمناطق تاريخية خاصة إذا ما حظيت هذه المطالبة بدعم أميركي، فيما قد تبدو هذه المطالبة بالنسبة لواشنطن مدخلا لنزاع تركي مع إيران وحتى سوريا في إطار الحروب الأميركية المفتوحة التي قد تلي حرب العراق وذلك على شكل حروب محلية وإقليمية متداخلة مفتوحة على حد قول شيرين هانتر من مركز الدراسات الاستراتيجية الأميركية. من هذه الخلفية التاريخية المدعمة باستراتيجية أميركية متجددة يتخوف الأكراد من أن تتحول الحرب الأميركية على نظام صدام حسين إلى حرب تركية على كيانهم الذي تحقق في مسار عملي بعد حرب الخليج الثانية وهو يقترب من صيغة دولة، والى ان تظهر تفاصيل الدور التركي في هذه الحرب فان الأكراد ومعهم كثيرون في المنطقة والعالم ينظرون إلى الدور التركي في شمال العراق على شكل سيناريوهات عديدة، بعضها من وحي التجربة السياسية لتركيا الحديثة وأخرى انطلاقا من معادلة الأمن والمصالح والدور، وفي جميع الأحوال فان المتابع يجد نفسه امام مجموعة من السيناريوهات التي قد تعيد تركيا إلى شمال العراق ولعل أهمها: ـ سيناريو (القبرصة): يستمد هذا السيناريو شرعيته مما قامت به تركيا عام 1974 عندما غزت شمال قبرص (لأسباب لا مجال هنا لذكرها) و أقامت فيها لاحقا جمهورية شمال قبرص التركية، والقاسم في هذا السيناريو هو تشابه الأوضاع الأمنية بين ما جرى في شمال قبرص وما يجري حاليا في شمال العراق، ولعل هذا السيناريو يحظى بدعم تيارات ايديولوجية وسياسية وعسكرية واسعة في تركيا. ـ سيناريو (تقسيم الشمال): وينطلق هذا السيناريو من فرضية تركية تقوم على اعتبار تركمان العراق أتراكا، وان شأنهم في شمال العراق شأن تركي له أبعاد داخلية، وفي ظل اعتبار أنقرة نفسها حامية لهم، يفترض هذا السيناريو تدخلا عسكريا تركيا في مناطق تركمان العراق تحت زعم (حمايتهم من السلطات الكردية)، ومع ان أطرافا تركمانية ترفض هذا الأمر الا ان تركيا نجحت في ربط أطراف من الحركة التركمانية العراقية بها، وهؤلاء وفي إطار إضفاء الشرعية والإنسانية على التدخل العسكري التركي في مناطق لن يتوانوا في طلب ذلك من أنقرة في خضم الحرب. ـ سيناريو (الأمن): منذ أكثر من عقد تعمل تركيا في شمال العراق أمنيا تحت نظرية (ملء الفراغ ) وإذا كانت هذه النظرية تستمد شرعيتها من الفراغ الذي حصل هناك بعد حرب الخليج الثانية والعمل من أجل منع حزب العمال الكردستاني من استغلال هذا الفراغ في معركته ضد الدولة التركية فانها (النظرية) تكتسب مشروعية أكبر وأوسع في ظل التناقضات التي ستظهر في حال انهار نظام صدام حسين، فالنتيجة هنا كما تتصورها أنقرة انتشار الفوضى والاحتراب الداخلي وربما زعماء حرب محليون، وبالتالي فان شرعية التدخل العسكري التركي هنا يكتسب مشروعيته من تسويق مسألة ضبط الأوضاع الأمنية هناك. ـ سيناريو (إجهاض الدولة الكردية): تعلن أنقرة صراحة أنها لن تسمح بإقامة دولة كردية في شمال العراق، وانها مستعدة للتدخل العسكري لمنع إقامة مثل هذه الدولة مهما كان الثمن، وإذا كان العنوان التركي هنا هو منع إقامة دولة كردية في شمال العراق فان الأتراك قبل غيرهم يدركون ان المقصود بالسياسة التركية هذه هو أكراد تركيا الذين يزيد أعدادهم ثلاثة أضعاف عن أكراد العراق، ولعل هؤلاء أكثر اندفاعا من أكراد العراق في مسألة إقامة دولة كردية في المنطقة. ـ سيناريو (الدور): يرى البعض انه في ظل الحروب الأميركية المفتوحة، فان واشنطن في لحظة الانتهاء من الحرب في العراق فانها ستكون بصدد خطوة توسيع رقعة الحرب في المنطقة وفقا لمخططات أعدتها الإدارة الأميركية، وهؤلاء لا يستبعدون ان يكون التدخل العسكري التركي في شمال العراق في خضم الحرب الأميركية خطوة مدروسة من أجل تدخل إقليمي مماثل، وتحديدا من قبل إيران على أن يصبح شمال العراق نقطة صدام بين الجانبين وان يسفر هذا الصدام عن أوضاع أمنية من شأنها توسيع الحرب وإدامتها. ـ سيناريو (الاحتلال): يعتمد هذا السيناريو على تحقيق أهداف تركية عديدة: اقتصادية (نفط كركوك) وأمنية (منع إقامة دولة كردية) وقومية (حقوق التركمان)... ومثل هذا السيناريو له أبعاد تاريخية وسياسية تبدو ممكنة التحقيق من قبل بعض الدوائر التركية، ممكنة التحقيق في لحظة حساسة، لحظة تتطلب إرادة القوة في ظل غياب الطرف الآخر لحظة انهياره في الحرب (النظام العراقي). في جميع هذه السيناريوهات يبدو وكأن هناك شكلاً من أشكال التواطؤ بين أنقرة وواشنطن كل لأسبابه وأهدافه ورؤيته لمستقبل سياسته ودوره، وفي جميع الأحوال فان شهية أنقرة تبدو مفتوحة تجاه الشمال والا ما معنى ان يقول الزعيم التركي الصاعد رجب طيب اردوغان والذي قد يصبح قريبا رئيسا للحكومة التركية (... في النهاية على تركيا أن يكون لها دور مؤثر داخل ميكانيزم القرار في مرحلة إعادة بناء العراق). ـ كاتب سوري