الاحد 6 محرم 1424 هـ الموافق 9 مارس 2003 لا أعرف السبب في اذاعة جلسات القمة العربية كاملة على الهواء! ان ذلك يمكن ان يحدث في المؤتمرات الاحتفالية، كما يحدث حين يدعى رؤساء العالم لدورة خاصة في الأمم المتحدة وبحيث يكون الهدف هو تدعيم المنظمة وهو ما يتحقق بمجرد مشاركة الرؤساء. في القمة العربية الموقف مختلف. فالقضايا مهمة والموقف ـ دائما ـ عصيب، وليست المشاركة فقط هي المطلوبة، بل الحوار الجاد والقرارات المسئولة. ومن هنا فقد كان المتصور أن تكون الجلسة العلنية هي الجلسة الافتتاحية فقط حيث يتحدث رئيس الدولة المضيفة مرحبا ومتمنيا للاشقاء التوفيق، ثم يتحدث رئيس الدولة التي انتهت ورئيس الدولة التي ستبدأ، مع تقرير سريع من الأمين العام للجامعة العربية، وبعدها تبدأ الجلسات السرية ليدور النقاش حول القضايا المطروحة بعيدا عن عدسات التلفزيون وميكروفونات الاذاعة وآلات تسجيل الصحفيين. القضية لا تتعلق بالشكل فقط، لأن ما يحدث الآن لا يترك فرصة للحوار الجاد بين القادة العرب، فالقمة التي لم تستغرق الا يوما واحدا كانت مجالا لخطابات بعضها طرح قضايا مهمة تستحق النقاش وبعضها اكتفى بتسجيل موقفه من الأحداث. وهكذا شهدنا رؤى مختلفة تتجاور ولا تتحاور. الأمر الثاني أن الحديث امام الميكروفونات يغري باستخدام الكلمات الكبيرة والمواقف الانشائية بينما المطلوب هو الاجراءات العملية وتركيز الجهد على سبل مواجهة الخطر وعبور الأزمة. والأمر الثالث ان أي خلاف أو سوء تفاهم يتحول على الفور الى فضيحة على الهواء، أو على أقل تقدير الى مادة للاثارة تسيء إلى ما تبقى من النظام العربي وهو قليل للغاية ولم يعد يحتمل المزيد. وهكذا أزيحت كل القضايا المهمة في قمة شرم الشيخ جانبا، وأصبح التركيز على الخلاف الذي نشب بين العقيد الليبي معمر القذافي وولي العهد السعودي الأمير عبدالله، وتكرر نفس الشئ بعد ذلك في القمة الاسلامية لتتركز الأضواء على فضيحة الشتائم المتبادلة بين الوفدين العراقي والكويتي. احتقان النظام العربي وإذا كانت المشادة العنيفة في القمة الاسلامية قد كشفت مدى الاحتقان الذي يعاني منه النظام العربي، ومدى الفشل في معالجة ما أسموه «الحالة العراقية ـ الكويتية» المستمرة منذ كارثة الغزو العراقي للكويت قبل 12 سنة، كما كشفت حالة الغيبوبة التي يمر بها النظام العربي في وجه خطر لم يعد أحد يجهل أنه يستهدف الجميع بدون استثناء.. اذا كان الأمر كذلك في فضيحة القمة الاسلامية، فإن ما حدث في القمة العربية كان أهون بكثير، فالطرفان اللذان اشتبكا على الهواء ليسا في حالة عداء، والأمر كله فيما يبدو هو سوء تفاهم زاد في حجمه توتر الجميع ازاء الأحداث الخطيرة، والضغوط العصيبة التي سادت الاجتماع. لكن المؤكد أن العقيد القذافي لم يكن يريد الاساءة للسعودية، وان السعودية بدورها لم تتخلي عن نهجها الهادئ في التعامل مع الأحداث، ومن هنا أمكن تطويق ما حدث لحد كبير، وأعلن القذافي بعد ذلك تقديره للأمير عبدالله.. ومع ذلك فإن خسارة وقعت وسحبت من الرصيد القليل جدا المتبقي للنظام العربي ومؤسسته الرسمية المتمثلة في الجامعة العربية. ولعل ذلك كان في ذهن الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى وهو يدعو لـ «قمة مستأنفة» كما أسماها، أو لاستئناف أعمال القمة السابقة لاستكمال مهامها باعتبار انها لم تنجز ما ينبغي انجازه في هذه الظروف الصعبة. صحيح أن القمة أصدرت بيانا قاطعا ضد الحرب، وشكلت وفدا للاتصال بأعضاء مجلس الأمن والمسئولين في الأمم المتحدة لإيقاف الهوس الأميركي المندفع نحو العدوان، ولكن ذلك كله يبقى في خانة «رد الفعل» وفي اطار النوايا الطيبة مالم يسنده جهد عربي أكبر ينطلق من عدة مبادئ يتم التحرك من خلالها، وفي مقدمتها: الادراك الكامل بأن الهدف الأساسي للولايات المتحدة الاميركية ليس نزع سلاح العراق ولا اسقاط النظام فيه. بل الهدف المعلن على لسان الرئيس الأميركي نفسه ووزير خارجيته هو احتلال العراق ووضع ثروته البترولية «أمانة» عند الولايات المتحدة! ان احتلال العراق ليس نهاية المطاف. انه البداية لعملية واسعة تستهدف اعادة تشكيل المنطقة العربية وفقا للمصالح الأميركية.. كما أعلنت الإدارة الاميركية رسميا، بكل مايمثله ذلك من مخاطر على الدول العربية جميعها ومن إنهاء فعلي لاستقلال هذه الدول، واخضاعها ـ مع ثرواتها البترولية ـ للهيمنة الأميركية الكاملة. ان أحد أهداف الحرب في العراق كما أعلن الرئيس بوش هو ايجاد الظروف المناسبة لحل القضية الفلسطينية. واذا كانت المنطقة كلها سيعاد تشكيلها «وفقا للمصالح الأميركية» فإن الحل الذي يراد فرضه لن يكون الا تطبيقا كاملا للمشروع الصهيوني.. بكل ما يحمله ذلك من مخاطر على الأمة العربية كلها. إن الحشود الأميركية التي تتدفق على المنطقة تأتي في ظل مواجهة عالمية بين رغبة أميركية محمومة في اسقاط أي تحد في الحاضر أو المستقبل لهيمنتها الكاملة على المنطقة والعالم.. وبين أوروبا المدركة لحجم الخطر، يؤيدها رأى عام عالمي لا يريد الحرب ويدرك أهوالها. وفي هذا الاطار فإن علينا أن نتذكر أن القوات الأميركية التي جاءت للمنطقة مع حرب الخليج الثانية (بكل ملابساتها المشبوهة) أعلنت انها سترحل بعد تحرير الكويت.. وهو أمر لم يحدث ولن يحدث في المستقبل المنظور. فالوجود الأميركي يتدعم، وهو ينتقل الآن من مرحلة القواعد والتسهيلات الى مرحلة الاحتلال المباشر (بدءا بالعراق) بكل مايعنيه هذا التطور الخطير من آثار. إن ما أعلنته القمة العربية من رفض قاطع للعدوان على العراق لا ينبغي أن يكون نهاية الطريق، بل هو بداية عمل شاق ومستمر وجاد في وقت عصيب. الجنون الأميركي ورغم استمرار الحشود الاميركية وتصاعد التهديدات بالحرب، فإن ذلك لا ينبغي أن يوقف التحرك العربي لوقف الحرب. ورغم الإدراك بأن القوة الباطشة للولايات المتحدة قادرة على حسم المعركة عسكريا، الا أن ذلك لا ينبغي أن يوقف المقاومة المطلوبة لهذا الجنون الأميركي خاصة إذا كان العالم كله يقف ضده ويعارضه بلا هوادة. والشرط الأساسي لفاعلية التحرك العربي في هذا الاتجاه هو خروج العرب أنفسهم من منطقة العجز، وإدراكهم أن جنون الحرب المسيطر على الآلة العسكرية الأميركية مهما كانت درجته فإنه في النهاية له حدود يعرف انه لو تخطاها فهو يقود الولايات المتحدة الاميركية الى فيتنام جديدة، ثم الادراك أيضا أن الضعف العربي له حدود وأن هناك أوراقا عربية يمكن استخدامها ولها قيمتها في وقف الحرب. إن جنون الحرب المسيطر على الآلة العسكرية الاميركية الآن يستطيع أن يبدأ الحرب وأن يقتل ويدمر ويحتل، ولكنه يدرك ان هذا كله لا يضمن له الانتصار ولا يبقى في يده كلمة النهاية. فالحرب دون غطاء من الشرعية الدولية هو عدوان مدان من العالم كله. والذهاب للحرب في وجه معارضة أوروبية قوية هو انهيار للتحالف الغربي بصورة نهائية. والعدوان بلا مبررات حقيقية ومع التعاون العراقي في تنفيذ قرارات الأمم المتحدة هو ـ في نظر الكثيرين ـ تهديد خطير باشعال حرب صليبية غير مقدسة ولا أخلاقية، ضد العالم الاسلامي كله. وهو الأمر الذي يجعل الفاتيكان نفسه يبذل جهودا كبيرة لاعلان موقفه الحاسم ضد الحرب وللضغط على القرار الأميركي وحصاره حتى لا يسوق العالم كله الى هذه الكارثة. إعادة تشكيل المنطقة وأمام كل هذه الظروف فإن المساحة تتسع لتحرك عربي جاد وفعال تفهم فيه الولايات المتحدة أن يدها ليست طليقة في العالم العربي الذي يرفض ـ نظما وشعوبا ـ رفضا قاطعا ما أعلنته الادارة الاميركية عن «اعادة تشكيل المنطقة العربية وفقا للمصالح الاميركية» وعن «تحويل العراق ـ بعد احتلاله ـ الى نموذج للديمقراطية التي يتم فرضها على الدول العربية». إن هذا الوجه الاستعماري القبيح الذي تبدو به السياسة الاميركية تجاه العرب لا يمكن مواجهته بمنطق: إنها القوة الأعظم وما تريده سيتحقق، وان العرب هم أمة بلا حول ولا قوة.. كما «يبشرنا» مدعو التعقل هذه الأيام. إن أحدا لا يدعو الى عداء أميركي، ولكن هذا لا يعني الاستسلام لما تقرره من سياسات للمنطقة على حساب العرب، ولا يعني مساعدة مهاويس الحرب الذين اختطفوا ارادة الشعب الاميركي على تنفيذ مخططاتهم الاستعمارية التي سيدفع الشعب الاميركي نفسه ثمنها في النهاية سياسيا واقتصاديا.. واخلاقيا. إن أحدا لا يدعو لاعلان الحرب على أميركا حتى وهي تعلن عداءها للأمة العربية وتسمح بالمجازر الاسرائيلية للشعب الفلسطيني وتستعد للقيام بمجازرها الخاصة ضد شعب العراق، وبعده ضد شعوب عربية أخرى. لكن هذا لا يعني أننا لا نستطيع أن نكبح جماح هذا الثور الأميركي الهائج.. خاصة إذا كان العالم كله يقف معنا في هذه المعركة من أجل منع العدوان وايقاف آلة الحرب الجهنمية. إن الضعف العربي له حدود، ومن يؤمن بأننا بلا حول ولا قوة عليه أن يترك مكانه لمن يستطيع استخدام الامكانيات العربية لوقف الحرب التي يراد لها أن تبدأ باحتلال العراق ولا تنتهي الا بإخضاع الوطن العربي كله أو اعادة تشكيله وفقا للمصالح الأميركية كما أعلنت واشنطن. إن مهاويس الحرب في البنتاغون يعرفون أن جنون القوة له حدود، ويدركون أنهم اذا ذهبوا للحرب وحدهم فإن الثمن سيكون كبيرا، وأنهم اذا ذهبوا بلا شرعية دولية فإن الموقف سيكون صعبا، وأنهم اذا ذهبوا الى الحرب في وجه عداء عربي كامل وفي ظل التزام بعدم تقديم المساعدات للقوات المعتدية فإن المهمة ستتحول الى كابوس. انهم يدركون ذلك، والمهم أن ندرك نحن أيضا ذلك، وأن نتصرف بوعي كامل بأن الخطر الهائل سينال من الجميع، وأن الحرب قد تكون قرارا أميركيا تم اتخاذه ولكنها ليست قضاء وقدرا لا يمكن تجنبه، بل اننا نملك وسائل منعها ومصممون على استخدامها. وفي هذه الحالة فقط يصبح استئناف القمة العربية خطوة على الطريق الجاد لمنع الحرب. وبدون ذلك تصبح القمة ـ أي قمة ـ عبئا على العرب، لا شيء فيها إلا الخطابات الحماسية والقرارات التي لا يتم الالتزام بها مع شيء من الفضائح على الهواء، ليتحول المشهد كله إلى شيء من العبث في وقت يتحدد فيه مصير الأمة ويعاد تشكيلها.. وفقا للمصالح الأميركية!! ـ نائب رئيس تحرير «أخبار اليوم» المصرية