الاحد 6 محرم 1424 هـ الموافق 9 مارس 2003 دخل المدرب قاعة التدريب، ووضع الجرة في وسط القاعة وقال للحضور: سنتدرب الآن على وضع خطة اسبوعية للعمل، فهذه الجرة تمثل اسبوعاً كاملا، وسنحاول ملأها بطريقة منطقية وعملية، اخرج المدرب كيسا كبيرا مليئا بقطع الصخور المتباينة الاحجام والاشكال، واخذ يلقي بالقطع داخل الجرة، حتى بدأت تتساقط على الجوانب، حاول المدرب زحزحة الصخور في الداخل فهز الجرة بشدة لكنه لم يستطع ادخال المزيد، وهنا سأل الحضور: هل امتلأت الجرة؟ فأجابوا بصوت واحد: نعم هز المدرب رأسه نافيا: ليس بعد، ثم اخرج كيساً متوسطا مليئا بالحصى، وبدأ يلقي بقطع الحصى الصغيرة داخل الجرة فتستقر في الفراغات بين الصخور الكبيرة، وعندما فاضت الجرة بالحصى، سأل: هل امتلأت الجرة؟ فرد الحضور بصوت واحد: لا. ابتسم المدرب، واخرج كيسا صغيرا مليئاً بالرمل الناعم، وبدأ يسكب الرمل في الجرة وأخذت حبات الرمل تتسلل بين الحصى وقطع الصخور لتملأ كل الفراغات المتبقية، وعندما فاضت الجرة بالرمل، سأل المدرب الحضور: هل امتلأت الجرة؟ فرد الجميع: نعم عندها ابتسم المدرب مرة ثانية وقال: الصخور الكبيرة هي الاولويات، وقطع الحصى المتوسطة هي الاعمال الملحة، وحبات الرمل هي الاعمال الصغيرة. نظريا فان هذا الكلام يقابل بالترحاب والقبول من الجميع، وينجذب الناس نفسيا نحوه، ويؤيدونه بشكل مطلق مظهرين موافقتهم للكيفية التي وزع من خلالها المدرب الجدول الزمني لكل فرد بناء على تدرج هرمي جعل قاعدته العريضة هي الاولويات ومساحته الوسطى للامور الملحة، واعطى الامور الاقل شأنا مساحة صغيرة من الزمن تتناسب مع قيمتها الحقيقية، مما يتيح للانسان الوقت الكافي لانجاز اولوياته اولا بأول دون ان يتعرض لاي نوع من الخسائر المادية او المعنوية التي يمنى بها عادة الاشخاص الذين فوتوا على انفسهم فرصة تنظيم الوقت تبعا لسلم الاولويات فأضاعوا اهدافهم وفقدوا الاتصال مع الامور الاكثر تأثيراً وفاعلية في حياتهم كلها. وقبل يومين تلقيت سؤالاً من احد القراء حول صعوبة تحقيق هذه الافكار عمليا اذ رغم الايمان النظري بان الاهم يجب ان يوضع على رأس قائمة الاعمال الا ان ثمة اشتباكاً عنيفاً يحدث على ارض الواقع لدى كثير من السيدات اللواتي يقعن في حيرة شديدة نتيجة التداخل الشديد بين المسئوليات الوظيفية وبين الابناء مما يفوت على المرأة في كثير من الاحيان فرصة النجاح في انجاز المهمتين معا بشكل صحيح ويضعها امام الاختيار الصعب اما التميز في المهنة او التميز في الاداء التربوي. ويرى السائل ان المرأة في هذه الحالة لا تلام اذا ما اختارت النجاح المهني واولته المزيد من العناية، والسبب قسوة التحدي وصعوبة الاختبار اليومي الذي تتعرض له ويدفعها الى التراجع عن المثل التي آمنت بها نظرياً وعجزت عن تمثلها في دائرتها الخاصة، وعليه فان اكثار اللوم على التقصير في بعض حقوق الابناء امر لم يعد مبرراً حسب وجهة نظر الاخ السائل، والصواب ان الفشل لا يصلح ليكون قاعدة معترفا بها مهما كانت المعطيات التي يقدمها بين يدي شفاعته في ان يمرر سلوكه الخاطيء ويصبح عرفا متبعا وسنة جارية يقبل بها على انها لغة العصر واحدى ضروراته القائمة!! بل العكس هو الصحيح، اذ ان كل تجربة فاشلة هي شهادة جديدة تساند مواقف المؤيدين لاهمية اعطاء الاسرة الاولوية الفائقة. ان ترجيح كفة العمل على كفة العائلة هو احد مظاهر الهذيان الاجتماعي، والفوضى السلوكية التي بتنا نعاني منها اليوم الامرين. والرأي الوحيد المنتظر ادبيا واخلاقيا هو القائل بأن الاتصال بالاولويات هو احد المطالب الحيوية غير القابلة للتفاوض او المساومة. كما ان تسويغ الفشل امر لا يتعاطاه الا ذوو المزاج السيئ. اما الاسوياء من الناجحين فان لديهم من التفكير السليم ما يحفظ عليهم توازنهم ويجعل اداءهم متفقا إلى حد بعيد مع رؤيتهم النافذة لقيمة الأسرة في دفعهم للنجاح بأدوارهم المختلفة. ويعتبر الاستعداد الذهني والذكاء العاطفي هما الدعامة الكبرى التي تجنبهم الوقوع في فخ التعارض بين المسئوليات وتؤدي بهم إلى تكييف الظروف المختلفة تبعا لقائمة الاولويات. ومن غير المنطقي ان يستسلم المرء للضغوط الخارجية وللمهمات الطارئة على حساب الامور الاكثر اهمية مدعيا انه يريد التميز في العمل المهني، وان ضريبة هذا التميز هي الاستسلام لمطالب المهنة دون قيد أو شرط!! ولست ارى خللا في التصور اكبر من ان يتهيأ الانسان ذهنيا وخصوصا المرأة، لاستيعاب اكبر قدر من الاعباء الوظيفية في مقابل التفريط في اداء المهمة التربوية المنوطة بها. ان النجاح الحقيقي كل لا يتجزأ، ومن ظن ان التحليق بجناح واحد شيء ممكن فان مآله ان يمنى بالفشل كما مُنِيَ ناطح الجبل بقرنه الواهي الضعيف، الذي سرعان ما انكسر وارهقته المحاولات العقيمة، بينما بقي الجيل ثابتا في مكانه ساخرا من سذاجة المحاولة وبدائية التفكير. مريم عبدالله النعيمي