الاحد 6 محرم 1424 هـ الموافق 9 مارس 2003 الحرب الاميركية على العراق باتت حتمية اكثر من اي وقت مضى. بليكس والبرادعي جرَّدا بوش من الذرائع لضرب العراق. ثمة موجة رفض دولية عالية في وجه الادارة الاميركية. مع ذلك المعجزة وحدها يمكن أن تمنع حدوث الحرب. نزع أسلحة العراق لم يعد عظمة النزاع الشرس الدائر داخل مجلس الامن. المشهد الدولي أصبح مفتوحاً على صراع الجبابرة الجدد. 17 مارس لن يكون نهاية فقط للجهود الدبلوماسية حول المسألة العراقية. الموعد المعلن يشكل منعطفاً تاريخياً على صعيد المجتمع الدولي السياسي بأسره. في ذلك اليوم سيشهد العالم نهاية نظام القطب الواحد او على الاقل خاتمة الهيمنة الاميركية. رغم ذلك يصعب الجزم بميلاد نظام عالمي جديد. من الممكن التنبؤ بمرحلة مخاض غير يسير. من هذا المنظور نفسه يصبح ضرب العراق خطوة حتمية لا تملك الادارة الاميركية فرصة الارتداد عنها. ربما من سوء قدر بغداد أنها أصبحت المحور الذي يدور حوله صراع الديناصورات الخارجة لتوها من تحت رماد النظام العالمي احادي القطب. عبر البوابة العراقية تسعى القوى الدولية لإفراغ كل احباطاتها المتراكمة على كاهلها تحت ظل هيمنة القطب الاميركي المنفرد بادارة اقدار العالم منذ انهيار الكتلة الشرقية. هذه القوى نفسها وجدت في المسألة العراقية فرصة ملائمة لصياغة قضية عادلة يمكن عبرها الاستنفار على الصعيد العالمي لبناء معسكر من شأنه تشكيل مصد صلب في وجه القطب الاحادي والتقدم لجهة هدم ذلك الصنم الذي بنته تلك القوى بيديها او بسلبيتها. ازمة اميركا لم تعد تنحصر حالياً في تنفيذ الضربة المحتقنة عسكرياً فوق العراق وانما مواجهة هذا المعسكر المناهض. خطيئة بوش السياسية أنه ذهب أبعد ما يكون وأسرع مما هو محتمل لجهة الحرب. المشوار الذي قطعه والايقاع الذي نهجه يجعلان من المستحيل عليه الرجوع من الجبهة الى قواعده سالماً. لهذا يحتاج الرئيس الاميركي وليس العراقي إلى معجزة تنقذه من مأزقه المأزوم. بوش بات داخل فك مفترس ولا سبيل أمامه إلا الحرب إذا هو تقدم أو هو تقهقر. العراقيون أمامه والناخبون الاميركيون وراءه وكلاهما في خندق عداء مستحكم وليس ثمة مخرج لمواجهة المتخندقين في الخارج والداخل الا بخوض الحرب. إدارة بوش تدرك أكثر من غيرها انها لم تعد تواجه على الجبهة العراق وحده وانما تتمترس امامها في الوقت نفسه القوى الدولية المتربصة بنظام القطب الواحد. تفرُّد اميركا بالمسرح على النحو الذي يتجاهل مصالح واهداف القوى الاخرى ـ المشروعة منها وغير المشروعة ـ عصب المعركة الحالية داخل المنظمة الدولية. لا يهم حتى ولو اكتست فرنسا او روسيا أو المانيا ثوباً عراقياً في معركتها المفتوحة ضد اميركا. من هذا المنطلق تصبح الحرب حتمية أكثر من أي وقت مضى. التراجع يمثل هزيمة مسبقة لبوش في الخارج والداخل. الحرب لم تعد ضد العراق وحده وانما ضد معسكر معاد لاميركا. الهدف لم يعد نزع سلاح العراق بقدر ما اصبح الحفاظ على صورة اميركا الدولة الاعظم. بوش أمسى مثل ماكبث في رائعة شكسبير الخالدة. الرئيس الاميركي غارق في رائحة الدم ومشهده على نحو يجعل التوغل فيه افضل من محاولة الخروج عنه. الايقاع الذي ذهب به بوش والمشوار الذي قطعه يجعلان تفكيك آلة الحرب مهمة فادحة الخسران. كسب الحرب يمنح بوش فرصة خادعة للرهان على ربح الداخل. من السهل ان يكسب بوش حربه ضد العراق. الجدل فقط حول الفاتورة التي سيتحملها. من الواضح ان اميركا ستخسر مكانتها على الصعيد العالمي في حالة خوض الحرب. لنقل ان الالة العسكرية الاميركية ستقصف «النظام العالمي الجديد»، بضربها العراق. حتماً لن يربح بوش الداخل الاميركي حتى لو كسب الجبهة العراقية. المعجزة وحدها تمنع الحرب. المعجزة نفسها ربما تعين بوش على كسب الحرب والحلفاء القدامى ومن ثم ربح الداخل الاميركي. كلتاهما معجزتان لن تأتي احداهما. قد يدمر بوش ما تبقى من بنى العراق التحتية لكنه سيدمر في الوقت نفسه ما تبقى من نظام القطب الاميركي. تلك هي حصيلة انجاز ماكبث زمانه الاميركي