السبت 5 محرم 1424 هـ الموافق 8 مارس 2003 هل لا تزال نيويورك هي المكان المناسب لاستضافة المقر الرئيسي لمنظمة الأمم المتحدة؟ سؤال يجب أن ينفجر مثل قنبلة، ويثيره كل صاحب ضمير إنساني حتى ينتبه الغافل، ويفيق السكران، ويصحو النائم. وهل بعد أن أصيب مخططو السياسة الأميركية بنوع من الجنون يستطيع الضمير الإنساني أن ينام قرير العين، وقد ترك المنظمة المسئولة عن صنع السلام العالمي في يد صناع الحرب والباحثين عن الهيمنة على العالم بكل الطرق، حتى وان كانت هذه الطرق تقود إلى دمار الكوكب. في محاضرة ألقاها الشهر الماضي بمركز زايد للتنسيق والمتابعة قال سكوت ريتر الرئيس السابق للجنة التفتيش الدولية عن اسلحة الدمار الشامل في العراق: «إن الإدرارة الأميركية تتصرف اليوم مثل سكير يحاول أن يقود سيارة فوق حافة الهاوية، لأنها تمارس سياسة غبية أساسها الغطرسة والاستعلاء على شعوب العالم». وليس من الحكمة أن يعهد بالسلام والأمن الدوليين لسكير. قد يكون اقتراح نقل مقر الأمم المتحدة من نيويورك قد تأخر كثيرا، فللإنصاف كان يجب أن يتنبه العالم لذلك منذ بدأت الولايات المتحدة في تمجيد مفهوم عدم التوازن في القوي عقب انهيار الاتحاد السوفييتي الذي اتضح ان وجوده كان ضمانة ليست قليلة للسلام !! فما أصبح يعرف بعقيدة بوش التي تبنت الحرب الاستباقية، والرد على التهديدات الناشئة حتى قبل تشكلها، له جذور تعود الى عام 1992 حينما وضع بول ولفوتيز وزلماي خليل زاده مسودة وثيقة عنوانها (ارشادات التخطيط الدفاعي). هذه الوثيقة وضعت مفهوما جديدا للدفاع عن أميركا ملخصه أن مهمة الولايات المتحدة بعد انهيار الكتلة الشرقية يجب أن تكون منع ظهور أي قوة عظمى منافسة لها في أي مكان من العالم وذكرت مسودة الوثيقة قوى محتملة بينها روسيا والصين وألمانيا واليابان. حكاية الرد على التهديدات الناشئة ليست قانونية بمعايير القانون الدولي الذي شاركت أميركا في صياغته، المسئولون الأميركيون يعرفون ذلك ويعرفون أيضا أن الهجوم على اي بلد - دون أن يكون ردا على هجوم سابق - تم التعامل معه باعتباره جريمة حرب في محاكمات نورمبرغ، ومن ثم فإن عقيدة بوش تضع منفذيها في خانة مجرمي الحرب النازيين الذين حوكموا من قبل وغسل الضمير الغربي عاره بمحاكماتهم. المنحنى الذي يدخل فيه العالم الآن يظهر تحولا نحو مرحلة راديكالية، وذلك على حد تعبير وليام بولك وهو باحث وسياسي أميركي كان عضوا في مجلس سياسات التخطيط التابع للخارجية الأميركية في عهد كيندي، هذه المرحلة كما يضيف بولك تنتقص وتتجنب وتتجاوز كل مفاهيم القانون. فضلا عن ذلك فإن الجميع شرقا وغربا أصبحوا على يقين من أن دوافع الولايات المتحدة لم تعد نظيفة، وأنها تتحرك وفق امبريالية جديدة هدفها أن تفرد القلاع الأميركية فوق سفن الجميع، وأن تسيطر واشنطن بمفردها على الكون، وأي تحليل للخطاب الأميركي بعد 11 سبتمبر سيخرج حتما بهذه النتيجة. ليس ذلك فحسب، بل ان أصواتا تعلو في عرين الغرب مطالبة بلجم الادارة الأميركية وايقافها عند الحد الذي لايجعلها تهدد الأمن الدولي، وتخوض حروبا عبثية، فالحرب القادمة التي يصر بوش وأركان إدارته على خوضها ضد العراق هي في نظر المؤرخ البريطاني المعروف اريك هوبسباوم «ليس لها مثيل ولا يمكن مقارنتها بحروب سابقة فهي غير متوازنة وعدوانية وغير عادلة» وبحد توصيف البابا يوجنا بولس الثاني ستكون جريمة بحق الانسانية. نسبة كبيرة من الرأي العام العالمي يعتبر جورج بوش خطرا على السلام العالمي، ليس هذا شعارا رفعه متظاهرون بالملايين في 600 مدينة حول العالم فحسب، بل إن 45 % من البريطانيين - اقرب حلفاء أميركا- يرونه كذلك، وتؤكد الغالبية على أنه يحاول الظهور بمظهر تشرشل لكنه أشبه مايكون بموسوليني. أشياء أخرى كثيرة تثبت أن نيويورك لم تعد مكانا مناسبا للأمم المتحدة منها الوثيقة التي تكشفت الأسبوع الماضي وتثبت وجود أوامر أصدرتها وكالة الأمن القومي الأميركي بالتجسس على وفود ست دول من أعضاء مجلس الأمن، والتنصت على مكالماتهم الهاتفية في مكاتبهم ومنازلهم واعتراض بريدهم الالكتروني، واعداد تقارير مفصلة عن التحالفات والمفاوضات التي يبرمونها، حتى تستخدم سياسة الترهيب والترغيب مع هذ البعثات والدول التي يمثلونها. أدعو الى حملة عالمية لنقل مقر المنظمة الدولية من نيويورك الى جنيف، واقترح أن تبدأ ببيان يوقع عليه كل الحاصلين على جوائز نوبل، تمنيت لو أصحو فأجد أصحاب الضمير الإنساني يتصدون لهذا الفعل النبيل خاصة وأن أناسا من عينة مانديلا وهافل والأخضر الابراهيمي وماركيز لايزالون أحياء بيننا.