السبت 5 محرم 1424 هـ الموافق 8 مارس 2003 لماذا خرجت جموع من جماهير الشعب الروسي الاسبوع الماضي لاحياء الذكرى الخمسين لرحيل زعيم الاتحاد السوفييتي السابق جوزيف ستالين؟ ببساطة، لأن الناس الآن في روسيا التي «تحررت» من النظام الاشتراكي منذ عقد زمني او اكثر واخذت بنظام «اقتصاد السوق» (الاسم التجميلي للنظام الرأسمالي) باتت تقارن الحاضر البائس بما كان عليه الماضي التليد. اجل.. لقد انتقل الشعب الروسي في عهد الشمولية إلى عهد الحرية المدنية.. لكن عهد الحرية ادى لفصم المجتمع إلى فئتين: شريحة صغيرة تمثل اقل من نصف في المئة في المجتمع من مليارديرات ومليونيرات ومن حولهم من كبار المهنيين استولت بمساعدة اصحاب رأس المال في الغرب على المؤسسات الاقتصادية التي كانت تحت سيطرة الدولة في عصر النظام الاشتراكي باسم الخصخصة الرأسمالية. وعلى الجانب الآخر بقية عشرات الملايين في المجتمع التي لم تحصل في عهد الحرية المدنية الا على البطالة وسوء التغذية مع انتشار التسول بين الرجال والدعارة بين النساء. على هذه الخلفية لابد ان يذكر الناس في روسيا اليوم عهد الاتحاد السوفييتي. واذا ذكروا ذلك العهد فلابد ان يذكروا تقليديا ذلك الزعيم الذي نقل روسيا وما انضم اليها من كيانات قومية اخرى في دولة اقطاعية ينتشر فيها الفقر والمرض والجهل إلى الدولة العظمى الثانية في العالم. بل وكان الاتحاد السوفييتي الدولة العظمى الاولى في مجالات معينة. فقد كان المنتج الاول للنفط في العالم (12 مليون برميل يومياً حتى أواخر عقد الثمانينيات) والمنتج الاول للنفط. وكان اول دولة ترتاد الفضاء الخارجي. جوزيف ستالين هو الذي تولى بناء دولة الاتحاد السوفييتي من لاشيء خلال ثلاثة عقود متصلة فقد رحل سلفه فلاديمير لينين بعد سبع سنوات فقط من انتصار الثورة الاشتراكية البلشفية في عام 1917. وعندما رحل ستالين نفسه عام 1953 كان بناء الدولة العظمى قد اكتمل بالفعل منذ سنوات. واذا كان التاريخ يسجل لستالين ايضا انه في سبيل مشروع البناء الاقتصادي والاجتماعي تسبب في مذابح جماعية فإن ابرز ما يتميز به المجتمع الروسي اليوم في عهد اقتصاد السوق موت جماعي بطيء من انتشار الجوع والامراض الفتاكة. فروسيا اليوم ارتدت إلى مستوى دولة من دول العالم الثالث بتصدرها قوائم انتشار الايدز والسل الرئوي.. بل وبعض امراض البلدان المتخلفة الاخرى كالملاريا. اجل.. في العهد الاشتراكي الستاليني طالت المذابح الجماعية اعدادا كبيرة من الضحايا.. لكن في المقابل حصل الشعب على دولة رفاهية يتوفر فيها المأكل والمشرب والسكن الصحي والخدمات الضرورية لكل اسرة ومواطن. اما في عهد اقتصاد السوق فقد حصل الناس على حرية فردية ليواجهوا ظاهرة البؤس والموت البطيء. «النوستالجيا» ـ اي الحنين إلى الماضي ـ التي تنتظم فئات الشعب الروسي اليوم وتمثلت في مظاهرات الاسبوع المنصرم في ذكرى رحيل ستالين لا تقتصر على استرجاع صورة دولة الرفاهية السابقة وانما تتعداها باستحضار صورة الهيبة العالمية للاتحاد السوفييتي في ساحة العلاقات الدولية. لقد كان الاتحاد السوفييتي ندا دوليا حقيقيا للولايات المتحدة. فقد كان كقوة عظمى ثانية يمتلك السلاح الذري منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وفي عام 1957 دخل الاتحاد السوفييتي التاريخ باطلاق اول قمر صناعي منذ ان وجد البشر على ظهر الكرة الارضية. وبعد هذا الفتح الذي جعله اول قوة ترتاد الفضاء الخارجي بعث الاتحاد السوفييتي بأول انسان إلى الفضاء (يوري غاغارين) في عام ,1961. واول امرأة ـ فالنتينا تيريشكوفا ـ بعد ذلك بعامين. وبعد ثماني سنوات من نهاية الحرب العالمية الثانية عمدت الولايات المتحدة إلى اختبار القوة العسكرية للدولة العظمى الاخرى المنافسة. كانت كوريا ميدان التجربة حين خشيت واشنطن تحولها إلى دولة اشتراكية.. فاندلعت الحرب الكورية في عام 1953 لتنتهي إلى شطر شبه الجزيرة الكورية إلى دولتين: دولة رأسمالية برعاية اميركية في الجنوب ودولة اشتراكية برعاية سوفييتية في الشمال، كانت نتيجة متوازنة. لكن الولايات المتحدة لم تتعلم درس التجربة فقد كررت اختبار القوة بعد ذلك مباشرة في فيتنام.. وكانت النتيجة انتصارا حاسما للاتحاد السوفييتي وللقومية الفيتنامية. فهذه المرة تحولت فيتنام كلها إلى دولة اشتراكية.. وتبقى كذلك حتى اليوم. والسؤال المطروح الآن هو: هل تستطيع روسيا استعادة مجدها؟ ان الوضع الاقتصادي الناشيء عن تطبيق اقتصاد السوق ليس من السهل ازالته لانه صار امتدادا للنظام الرأسمالي العالمي بزعامة الولايات المتحدة. غير ان القبضة الاميركية على الاقتصاد العالمي تتراخى حالياً.. وهذا التراخي لابد ان ينعكس بالتدرج على الوضع الروسي.. خاصة اذا استيقظت القومية الروسية من جديد.