السبت 5 محرم 1424 هـ الموافق 8 مارس 2003 على ما تبدو الشواهد أن العالم بات على أبواب ثورة مضادة للعولمة الأميركية، صحيح أن معارضة الحرب الوشيكة ضد العراق أصبحت تمثل الآن محورا للخلاف المحتدم الذي تتزعمه فرنسا والمانيا وروسيا، في مواجهة أميركا، والصحيح كذلك أن المظاهرات الشعبية المليونية التي شهدتها العديد من العواصم والمدن في أوروبا وأميركا واستراليا ـ يوم 15 فبراير الماضي ـ كان يجمعها هتاف واحد يدعو الى التراجع عن الحرب ومنح السلام فرصة. لكن وبكل تأكيد أن مختلف أشكال الرفض ومظاهر الاستنكار للموقف الأميركي أعمق غورا من قضية العدوان الذي يتربص بالعراق فحسب، وإنما التعبير الضمني عن المخاوف التي تجتاح العالم وأوروبا تحديدا، منذ أصبحت أميركا ـ بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ـ القوة الكونية الأحادية، وتوظيفها آليات العولمة السياسية والاقتصادية والثقافية في خدمة أهدافها الرامية للهيمنة على مقدرات العالم. واذا كان الرئيس بوش قد تبنى اتهام كل من فرنسا والمانيا بالتشبث بأهداب أوروبا القديمة، فلأن أوروبا الحديثة تأبى التفريط في موروثها الثقافي والحضاري، وعلى قناعة بأخطاء وخطايا الامبراطورية الأوروبية حين مدت نفوذها الاستعماري الى افريقيا وآسيا، فلماذا إذن تسمح بأن يكرر التاريخ نفسه عبر الاستعمار الأميركي الامبريالي للعراق، مقدمة للتمدد الى مختلف بلدان الشرق الأوسط ثم الى العالم بأسره؟ ولماذا الايقاع بالبشرية في أتون حرب عالمية ثالثة محتملة بعد أن اكتوت أوروبا القديمة بأهوال وكوارث الحرب العالمية الأولى والثانية؟ الى ذلك فإن أوروبا القديمة كانت الحاضنة للمذهب أو النظرية «الميكافيلية» وباعها التاريخي العريض في تكريسها عبر ممارسة أساليبها منذ القرن التاسع عشر، ومن ثم كان حرصها على أن تظل محصنة ضد النفاق والانتهازية الأميركية التي تطمح الى الاستيلاء على نفط العراق والخليج وبحر قزوين، إيذانا بالتحكم في أهم مصادر الطاقة المحركة في العالم تمهيدا لخنق أوروبا والحيلولة دون ازدهار وتنامي تجربة الاتحاد الأوروبي الوليد! على أن رفض الهيمنة الأميركية أو «العولمة المضادة» إن جاز هذا التعبير، لم يعد قاصرا على أوروبا القديمة الحديثة، وإنما امتدت شرارتها واندلعت في صيغ متباينة على المستوى العالمي، فكانت المظاهرات الشعبية التي تبناها العديد من منظمات المجتمع المدني دون تمييز في مؤتمر «سياتل»، وغيره من مؤتمرات الدول الصناعية الكبرى، وكذا المناهضة لاتفاقية «الجات». ولعله من هنا أصبح لزاما على المفكرين والدارسين سبر أغوار المظاهرة الشعبية الكبرى التي شهدها استاد القاهرة يوم 27 فبراير الماضي، إذ رغم أنها كانت تعبيرا صادقا عن مكبوتات الرفض الشعبي للحرب الأميركية الوشيكة ضد العراق، إلا أن مضمون هتافاتها ولافتاتها وما تردد في أجوائها من خطب ومقولات، تصب في خانة العداء للسياسات الأميركية، وتعريتها من أي مصداقية، وتعزيز الآليات المضادة للعولمة الرامية الى إخضاع مصر والأمة العربية لمنهاج وأساليب الاستنساخ الثقافي والسياسي، بوجه خاص لحساب الامبراطورية الأميركية الكونية المزعومة، سواء عبر مظاهر الوحدة الوطنية بين جناحي الأمة المصرية، وسواء عبر التأكيد على انتمائها القومي، كونه رافدا من الانتماء للقيم والمبادئ الانسانية العالمية، لكأن ما يحكم العلاقة بين الانتماءين، وبين المظاهرات المليونية ومظاهرة استاد القاهرة أشبه بنظرية الأواني المستطرقة. ويبقى المطلوب إذا تأصيل وتقنين تلك العلاقة في اطار جبهوي لنصرة قضايانا العربية العادلة، بينما المطلوب من الأحزاب والنخبة ومنظمات المجتمع المدني المصري التي نهضت بمهام تنظيم مظاهرة الاستاد، رصد العوامل التي أسهمت في نجاحها والبناء على ايجابياتها، والى أي مدى كان انضباطها فلم تسفر عن الصدام الذي توقعه المغرضون مع قوات الأمن، ولا الصدام السياسي مع الحكومة. وذلك أن الشعب المصري بفطرته كان على وعي وإدراك بأن حماية العراق وشعبه إنما هي لب القضية، وأن التناقض الرئيسي في هذه المرحلة مع الشيطان الأكبر الذي تمثله أميركا وتابعها توني بلير رئيس حكومة بريطانيا، التي تطمح في نيل نصيبها من «كعكة» العراق بعد أن أتى عليها الدهر منذ الثورات ضد امبراطوريتها العظمى التي لم تكن تغرب عنها الشمس! ـ كاتب مصري