السبت 5 محرم 1424 هـ الموافق 8 مارس 2003 قبل بضعة أسابيع، أكد أحد العلماء العراقيين أنه تعرض لإغراءات كثيرة من أجل مغادرة بلاده نهائيا، وممارسة أبحاثه واستئناف نشاطه العلمي في الولايات المتحدة الاميركية، ومضى إلى أن الجهات الاميركية المكلفة باستدراج الطاقات العلمية العراقية ـ والعربية دون ريب ـ تسعى إلى استغلال الضغوط المادية وحالة الحصار المفروضة على العراق كي تجعل من اللجوء إلى الدوائر الغربية، الاميركية منها بخاصة، حلا وحيدا أمام العلماء الذين لا يطيقون هذه الوضعية البائسة، وتعدهم بآفاق بديلة أكثر إشراقا. لا يجب أن يساور أحدا أي شك في صدقية هذا التصريح فمن تقاليد السياسة الاميركية انها تعمد إلى اجتذاب العناصر المتميزة علميا، المبشرة إبداعيا إلى رحابها الأكاديمية ومعاملها العلمية ومراكز بحوثها لتكريس قاعدتها التقنية وتغذيتها بدماء وعقول جديدة، وهي في مسعاها هذا لا تعبأ بالخسائر المادية والعلمية التي يلحقها هذا السلوك بالدول والشعوب المتحرقة لتخطي أحابيل التخلف عبر إبداعات أبنائها المبرزين بل ويسعدها تزايد الفجوة العلمية والتقنية لصالحها مقارنة بالعالم، الجنوب بالذات. تدمير العقول تجدر الإشارة إلى ان القفزة التقنية الاميركية الأكبر تحققت في مجالات بعينها، كاستخدامات الطاقة الذرية بشقيها المدني والعسكري وتطور صناعة الصواريخ وعلوم الفضاء، تحققت على أيدي رموز وعناصر علمية مهاجرة من بلاد تعرضت لمحنة التضييق والحصار والدمار، أهمها ألمانيا النازية في سياق الحرب العالمية الثانية وتفهم الدوائر الاميركية المعنية أن إعاقة التطور التقني والتقدم العلمي لقوة دولية ما، لا تتأتى فقط عبر تحطيم التجليات المادية للتطور، بما في ذلك المراكز البحثية والمصانع ومنتجاتها المنظورة،ولكنها تتحقق بصفة أساسية وجذرية بالقضاء على البنية الفكرية لهذا التطور وأهم عناصر هذه البنية العقول العلمية التي تختزن الصيغ والمعادلات والوثائق والخبرات اللازمة، التي بوسعها إعادة دورة الحياة لبقية مسلتزمات الإنتاج واستئناف مسيرة التقدم والمنافسة على مكان بين الأمم المتقدمة. بصيغة أخرى، تعي الدوائر الاميركية ـ وغير الاميركية بالطبع ـ أن تدمير مسلتزمات التقدم المادية يؤدي إلى إعاقة مؤقتة لا تفي بهدف استئصال أسباب التخلف أو تخليده فتعويض هذه المستلزمات مسألة واردة، يحلها مرور الزمن وتدبر الموارد بوسيلة أو أخرى، أما الاعاقة الحقيقية الممتدة فتستند إلى تصفية النخب البشرية ذات الصلة، العلماء والمختصين من أهل الذكر والإدارة والتوجيه. لقد عرفنا نموذج الاعاقة المؤقتة في الحالتين الألمانية واليابانية وكانت الولايات المتحدة ومعسكرها الحليف قد تسامحت مع هاتين الحالتين ولم تصل بها نزعة التشفي إلى تصفية نخبتيهما العلميتين بالكامل، وإن اختطفت بعض العناصر المميزة وأدمجتهم في دولابها التقني ذلك بسبب الحاجة لاستقطاب الدولتين بعد إعادة هيكلتهما في غمرة الحرب الباردة مع الاتحاد السوفييتي ومعسكره الاشتراكي. الموقف تجاه العراق يبدو مختلفا تماما، فالولايات المتحدة مصممة على وقف نمو العراق إلى ما شاء الله وذلك وفق نظرية الاعاقة الكاملة بتدمير البنيتين التحتية والفوقية للتقدم، بسحق العلم من الرأس والكراس معا! ولهذا بالضبط تنبغي السخرية من الادعاءات الاميركية بأن المطلوب من العراق هو نزع أسلحة الدمار الشامل أو إزاحة النظام الحاكم الديكاتوري، ويحرضها على الهدف الحقيقي الرامي لإعادة العراق الدولة والمجتمع إلى مراتب دول العصور الوسطى، كل من إسرائيل من ناحية والدوائر الغربية المأخوذة بفكرة الصراع الحضاري والتي تشوب موقفها القناعة بالإيديولوجية الصهيونية من ناحية أخرى، ليس هذا مقام التفاصيل، لكن التحرش الاميركي ـ الغربي الإسرائيلي ـ بالعراق وصولا إلى قصم ظهره من جميع المناحي، قضية محفوفة بشبهة الصدام الحضاري بالفعل. لهذا، لا نتصور أن المتابعة الاميركية للحالة العراقية ستتوقف عاجلا أم أجلا قبل التأكد من خلو هذا البلد من أسلحته الحقيقية، وقوامها النخب العلمية التي اخترقت حاجز التخلف التقني وراحت تنافس على موقع إقليمي ودولي يترجم هذا الاختراق، ولا نتصور أيضا أن تتراجع السياسة الاميركية المحفوزة بضغوط اللوبي الصهيوني اليهودي وغير اليهودي عن مطلب ملاحقة العلماء العراقيين، داخل العراق وخارجه، وفي خطابه التحريضي أمام مجلس الامن (5 فبراير 2003) أكد كولن باول وزير الخارجية الاميركي غيظ إدارته من تمنع هؤلاء العلماء عن التعاون مع فرق المحققين الدوليين ومراوغاتهم بزعمه لإخفاء حقائق التطور التقني الذي بلغوه، ومن إصرارهم على عدم الإدلاء بأقوالهم إلا في حضور مسئولين من الحكومة العراقية. ما لم يقله باول هو أن العلماء العراقيين بأساليبهم هذه ومواقفهم، يقطعون السبيل على إدارته لمحاولة استقطابهم وتجنيدهم ضد بلادهم وبرامجها الواعدة فالخلوة بهم تفسح المجال أمام «السادة المفتشين» لعرض أجندتهم بما فيها من وسائل ترغيب أو إحتواء أو ترهيب بحسب ما تسمح به ظروف كل حالة يلتقون بها! وبين ما يخفيه باول وإدارته وبقية طابور دعاة العدوان أن «التحقيقات» لا تستهدف استكناه حدود المعرفة العلمية العراقية بكيفية إنتاج أسلحة الدمار الشامل فقط.. هناك هدف أسمى وأبعد غورا هو استبصار حدود المعرفة العراقية بمداخل التقدم التكنولوجي عموما وتفسير ذلك هو أن التطور في صناعة الأسلحة يمثل أحد تجليات التقدم العلمي في بقية القطاعات الصناعية والزراعية. تجفيف مصادر القوة ولا يمثل هذا الرأي اجتهادا نظريا من لدنا ثمة تجارب تاريخية تؤكد صحة هذا الاجتهاد وصلاحية تعميمه، لقد كان تطور العسكرية المصرية في عهد محمد على نتاجا للحراك العلمي الأشمل الذي سهر عليه الرجل في زمنه، وكان سباق التسلح الذي اضطلع به الكرملين ورعاه في العهد الستاليني بصفه خاصة، باعثا على تحفيز النهضة السوفييتية في جوانب أخرى.. علما بأن القاعدة العلمية التي تأسست زمن الحكم الشيوعي مازالت بقوامها العام معافاة، غير إنها تعاني من هشاشة البنية التحتية الاقتصادية ـ المالية في الوقت الراهن وهذا ما يدعونا إلى توقع بناء الدعم الاميركي (الغربي) لروسيا الحالية محصورا في نطاق محدد، بحيث لا يتطرق ولا يكفي لإحياء قاعدته العلمية حتى تصل إلى مرحلة الجفاف الكامل. وتقديرنا أن العراق يستحوذ على مقدرات اقتصادية، تم توظيف جزء منها لإعداد ثروة علمية ذاتية نتيجة لتلاقي هذين العاملين، الثروتين الاقتصادية والعلمية، أضحى العراق مؤهلا لقطع مسافة طيبة على طريق التقدم، الأمر الذي أثار حفيظة القوة الصهيونية وكيانها السياسي إسرائيل بالذات، علاوة على مخاوف الظهير الاميركي (الغربي) العتيد.. ليس فقط لأن العراق بات على مشارف الندية العسكرية مثلا، مع إسرائيل، وإنما أيضا بفعل احتمال «تقريب» هذه الندية وإنتقالها بعدوى شعارات النظام العراقي إلى العالم العربي. والشاهد أن التحالف الاميركي الصهيوني لن يجد فرصة أنسب من المتاحة الآن لتجفيف مصدري قوة العراق، الاقتصادية بالسيطرة المباشرة على النفط، والفكرية بحصار العلماء ومطاردتهم وتحصيل ما في صدورهم ثم حجبهم عن كل جديد في عالم الإبداع. وفي ذلك عبرة لمن أراد أن يعتبر في محيط إسرائيل الإقليمي! ـ كاتب فلسطيني ـ القاهرة