السبت 5 محرم 1424 هـ الموافق 8 مارس 2003 عندما قررت اسرائيل تصنيع قنبلتها كانت ترفع شعار: إننا نعيش في سجن كبير من الخوف وإذا ماقرر العرب القضاء علينا فسوف نهدم المعبد فوق رؤوسهم حتى لو سحقنا الدمار الشامل نفسه.. فلا يمكن أن يحيا أحدا من بعدنا.. لكن.. سرعان ماانقلبت الآية.. وتحولت الدولة المسجونة بالخوف الى دولة مصدرة له.. ومنفردة به. إن المثير للسخرية أن يقف العالم على أطراف أصابعه مطالبا العراق بتدمير أسلحته دون أن يجرؤ على الاقتراب من اسرائيل.. أو يمس لها على طرف.. أو يفتح فمه في مواجهتها.. فنحن نعاقب النملة لأنها قرصت الفيل.. ولا نعاقب الفيل لأنه دمر عشرات الممالك التي يسكنها ملايين من النمل بضربة واحدة من احدى قدميه.. ولا نملك ازاء حالة الخلل المزمنة التي نعيشها سوى أن نتسلى برواية حكاية قصة الفيل النووي الاسرائيلي. لقد بدأ التفكير في صناعة القنبلة النووية الاسرائيلية في الأسبوع نفسه الذي أعلنت فيه الدولة الصهيونية.. في ذلك الوقت كانت هناك دراسة جاهزة قام بها العالمان أرنست بيرجمان واسرائيلي دوستروفسكي لاستخراج اليورانيوم من الفوسفات الموجود في صحراء النقب والبحر الميت.. وقد قيل من باب التمويه أنهما يجمعان الفراشات الصحراوية النادرة. لقد كان ديفيد بن جوريون يؤمن منذ اللحظة الأولى لقيام الدولة الصهيونية التي أعلنها بنفسه أن اللغة الوحيدة التي يفهمها العرب هي القوة.. و«إن اسرائيل دولة صغيرة ومعزولة ولو لم تزد من قوتها الفعلية بمعدلات كبيرة فإنها لن تنجو من المتاعب».. و«لن يقبل العرب بالسلام الا بعد إذلالهم في حروب متتالية.. ولن يستمر السلام الا اذا استمر الاذلال.. لا سلام الا بشروط اسرائيل.. لا سلام الا اذا كانت اسرائيل هي الأقوى».. و»لن تكون اسرائيل هي الأقوى الا اذا امتكلت سلاحا نوويا وحرم العرب منه.. وفي ذلك الوقت ظهر شعار لن يحيا أحد من بعدنا».. وإذا هدم المعبد فليدفن الجميع تحته. في 8 ديسمبر عام 1953 أعلن الرئيس الاميركي دويت أيزنهاور برنامجه الشهير «ذرة من أجل السلام» وتحت مظلة هذا البرنامج وقعت اسرائيل مع الولايات المتحدة في 12 يوليو عام 1955 اتفاقية خاصة حصلت اسرائيل بمقتضاها على مفاعل نووي للأبحاث أنشئ في منطقة تسمى نحال سوريك على شاطئ البحر المتوسط.. وسمى «حمام السباحة».. وفي الوقت نفسه سافر 50 عالما اسرائيليا للتدريب في وكالة الطاقة الذرية الاميركية التي أمدت اسرائيل أيضا بمكتبة أبحاث نووية تحتوي على 6500 بحثا وكتابا متخصصا.. وما أن عادوا حتى راحت اسرائيل تبني 12 مفاعلا نوويا من ذلك الطراز.. منتشرة في الجامعات.. وبعضها كان مستقلا.. ويعمل علنا بدعوى تحلية المياه وعلاج السرطان وتوليد الكهرباء. لكن.. مثل هذه المفاعلات لم تكن وحدها لتكفي لتصنيع القنبلة الاسرائيلية.. كان لابد من مفاعل أكثر قدرة على تصنيع القنبلة.. وفي ظل الحظر الأميركي الصارم على تصدير مثل هذا المفاعل وجدت اسرائيل منفذا لها في فرنسا.. وهكذا.. بدأت قصة مفاعل ديمونة. لقد قدمت فرنسا مفاعل ديمونة في وقت مبكر لم تكن قد صنعت فيه قنبلتها النووية.. كان ذلك في عام ,1957. بناء على اتفاقية شديدة السرية لم يعرف بها سوى عدد قليل جدا من الطرفين.. وكان وراءها رجل سينفطر قلبه فيما بعد وهو يتحدث عن السلام هو شيمون بيريز.. وفي المقابل حصلت فرنسا من إسرائيل على طريقة استخلاص اليورانيوم من خام الفوسفات.. وعلى تكنولوجيا الكومبيوتر الاميركية التي منعتها عنها واشنطن خشية استخدامها في تصميم القنابل النووية.. وقد فجرت فرنسا قنبلتها الأولى في صحراء الجزائر الكبرى في عام 1960 وشهد التجربة عدد من علماء الذرة الاسرائيليين. كان ذلك نوعا من التكريم لإسرائيل التي وقفت الى جانبها.. وفرصة لإسرائيل كي تكتسب خبرة عملية تفتقدها في هذا المجال.. وتوثقت العلاقات النووية بين فرنسا واسرائيل بعد أن رفضت الولايات المتحدة طلبا فرنسيا بقيام علاقات نووية متميزة بين البلدين على غرار ماتتمتع به بريطانيا.. لقد عجل ذلك كله ببناء مفاعل ديمونة. ومفاعل ديمونة من النوع الحراري.. طاقته 26 ميجاوات.. قامت بتنفيذه شركة سان جوبيان الفرنسية التي تمتلك الحكومة الفرنسية 66% من أسهمها.. ويستخدم المفاعل اليورانيوم الطبيعي.. ويشبه مفاعل سافانا ريفر الأميركي في ساوث كارولينا الذي ينتج القنابل النووية الاميركية.. وبدأ العمل في ديمونة في نهاية عام ,1963. ورغم نجاح اسرائيل في استخراج اليورانيوم من الفوسفات فإن مااستخرجته لم يكن يكفي.. فراحت بطرق شرعية وطرق غير شرعية تحصل على اليورانيوم من الولايات المتحدة وافريقيا الوسطى وكندا والأرجنتين والبرازيل والجابون والنيجر.. ووصلت الطرق غير الشرعية الى حد السطو على سفن تحمل اليورانيوم لتستولي على شحناتها.. بأسلوب القراصنة في القرون الماضية. لم يكن أحد في اسرائيل يعرف ما الذي يجري في ديمونة.. قيل انه مصنع نسيج.. وقيل انه مفاعل نووي لتحلية المياه.. وقيل انه معهد علمي لبحث مشاكل الصحراء.. لكن.. رائحة مايجري سرا زكمت بعض الأنوف.. فظهرت أول حركة للسلام في اسرائيل.. شكلها مثقفون وعلماء بارزون عرفت باسم «لجنة ابعاد الأسلحة النووية في الصراع العربي الاسرائيلي».. وخرج منها أول نداء لابعاد الأسلحة النووية عن الشرق الأوسط.. وانضم الى ذلك الاتجاه المعارض غالبية جنرالات الجيش الذين كانوا يفضلون الاعتماد على القوة التقليدية مثل ايجال ألون واسحق رابين وأرييل شارون.. وقد وصف هؤلاء ديفيد بن جوريون بأنه «نبي النار» بسبب اصراره على المضي في طريق القنبلة النووية.. والمقصود.. انه يبشر بحرق كل ماحوله حتى لو احترق هو أيضا. وقد استقال ديفيد بن جوريون من الحياة السياسية وراح يزرع الطماطم والخيار في كيبوتز سيدي بوكر بصحراء النقب.. ولم تكن اسرائيل قد توصلت الى قنبلتها النووية بعد.. فكان على تلميذه وربيبه موشى ديان مواصلة المشوار.. وعندما عين وزيرا للدفاع قبيل حرب يونيو عام 1967 أصدر تعليماته السرية باستكمال مفاعل ديمونة ومده بالأجزاء الحيوية التي تفصل البلوتونيوم.. وهي الخطوة الأخيرة في تصنيع القنبلة النووية.. وقد أصر على تنفيذ ماأراد رغم ان رئيس الوزراء ليفي أشكول واعضاء الكنيست كانوا يعارضون هذه الخطوة.. فقبل سنة تقريبا.. وبالتحديد في صيف عام 1966 اقترح ليفي أشكول على الرئيس الأميركي ليندون جونسون تجميد العمل في ديمونة مقابل شحن، جديدة من الاسلحة الاميركية التقليدية المتطورة ولم يرفض ليندون جونسون العرض وقدم أسلحة حديثة بتسعين مليون دولار الى اسرائيل.. وهي أكبر معونة عسكرية قدمت اليها في سنة واحدة في ذلك الوقت. لكن بينما كانت هذه الأسلحة تصل اسرائيل كان العالم اليهودي الشهير يوفال نيومان ينفذ البرنامج الذي صممه للحصول على البلوتونيوم.. وأغلب الظن ان الرئيس ليندون جونسون الذي كان متعصبا للدولة العبرية ضحك في سره منشرحا.. فقد أرسلت وزارة الدفاع الاسرائيلية في ذلك الوقت 11 مهندسا نوويا الى الولايات المتحدة للتدريب على تكنولوجيا التجارب النووية التي تجري تحت الأرض وساهم هؤلاء فيما بعد في التحقق من في فاعلية القنبلة الإسرائيلية. ورغم الانتصار الاسرائيلي الساحق في حرب يونيو 1967 فإن اسرائيل بعدها أطلقت يد عملائها في التوصل الى القنبلة النووية.. ويعتقد البعض أنها توصلت الى القنبلة في عام 1968 ولكن الدكتور عصمت زين الدولة أشهر علماء الذرة المصريين قال لي قبل سنوات: إن حسابات العالم والسياسة تقطع بأن اسرائيل توصلت الى القنبلة في عام ,1972. وقد بينت هذه الحسابات على متابعة مصرية دقيقة لخطوات العدو الصهيوني في هذا الاتجاه.. ومن ثم فإنها في الغالب حسابات سليمة.. فقد أشارت مصادر متنوعة الى أن اسرائيل كانت تملك 17 قنبلة نووية عند اشتعال حرب أكتوبر عام 1973. ولم تستبعد هذه المصادر أن تكون اسرائيل قد اتخذت قرارا لا مفر منه باستخدام الأسلحة النووية عندما شعرت ان خطوات سير الحرب ليست في صالحها.. فبعد الضربات الأولى صرخ موشى ديان وزير الدفاع في وجه جولدا مائير رئيسة الوزراء: «هذه هي نهاية المعبد الثالث».. فقامت جولدا مائير باعطائه «الأذن باستخدام أسلحة الدمار الشامل الاسرائيلية».. وفور تجهيز كل قنبلة نووية كانت تنقل على جناح السرعة الى وحدات سلاح الجو التي كانت تقف في انتظارها.. لكن.. قبل أن يجري وضع أجهزة التفجير في وحدة من تلك القنابل راحت الولايات المتحدة تتدخل لانقاذ اسرائيل بمدها بجسر جوي من الأسلحة المتطورة التي لا تنتهي فتراجعت عن استخدام السلاح النووي. ونقلا عن معلق صحيفة واشنطن بوست الشهير جوزيف العرب فإن الاسرائيليين هددوا مرة أخرى بشن حرب نووية ضد سوريا ومصر في عام 1974 نظرا لتصاعد القوة السورية على الحدود في الجولان ولادعاء اسرائيل بأن صواريخ سكود المصرية قادرة على حمل رؤوس نووية ممايشكل تهديدا للمدن الاسرائيلية. ولو كان من الصعب تحديد تاريخ ميلاد القنبلة الاسرائيلية فإن من الممكن معرفة قيمة تكلفتها.. إن خبراء الذرة لدى الأمم المتحدة يقولون: انه لابد من انتاج 10 قنابل نووية معا وهي تحتاج الى 10 سنوات وتتكلف 104 ملايين دولار بأسعار منتصف الستينيات.. منها 70 مليون دولار ثمن المواد الانشطارية و18 مليون دولار تكلفة التصنيع و12 مليون دولار تكلفة التجارب و4 ملايين دولار للتخزين والصيانة.. ولو قسمنا هذه التكلفة كلها على عشرة لكانت تكلفة القنبلة نحو 5,10 ملايين دولار.. وقد قدر الخبراء تكلفة البرنامج النووي الاسرائيلي من بدايته وحتى انتاج عشر قنابل دفعة واحدة بنحو 200 مليون دولار. ورغم كل مايكتب ومايقال عن البرنامج النووي الاسرائيلي تفضل أجهزة المخابرات هناك التزام الصمت وكأن الأمر لا يعنيها.. ولا تتردد الرقابة العسكرية في مصادرة ماينشر عنه.. ففي عام 1981 منعت هذه الرقابة نشر كتاب كان على وشك الصدور.. عنوانه «لن يحيا أحد بعدنا ـ قصة القنبلة النووية الاسرائيلية).. وتلقى مؤلفه تهديدا بالسجن لمدة 15 سنة.. وطرد مراسل شبكة التلفزيون الأميركية (سي. بي. إس) في اسرائيل لأنه اذاع ما جاء في الكتاب. وفي الكتاب ان اسرائيل شهدت 17 تجربة فرنسية للتفجير النووي في صحراء الجزائر.. وأنها حصلت على خلاصة هذه التجارب.. وفيه إن تعاونا قويا بدأ منذ سنوات بين اسرائيل وجنوب أفريقيا.. نقلت بعده تجاربها النووية من صحراء الجزائر الى المحيط الأطلسي.. من الأرض الى البحر.. وفيه ان اسرائيل عقدت صفقة للتعاون النووي بينها وبين تايوان.. ساهمت في تطوير قنبلة نيترون اسرائيلية وزادت من مرمى صاروخ كروز ليصل مداه الى 2400 كيلو متر.. وهو مايعني وصوله الى الاتحاد السوفييتي.. وفي عام 1972 حققت اسرائيل خطوة هامة وهي تخصيب اليورانيوم في تصنيع القنبلة النووية بالليزر بمساعدة جنوب افريقيا وهي طريقة لا تكلفها كثيرا. أما مستعمرة ديمونة التي يتستر وراءها المفاعل النووي الاسرائيلي فتقع في وسط النقب.. وتبعد عن بئر سبع بنحو 35 كيلو مترا.. شرقا.. والمنطقة صحراوية.. جبلية.. قليلة السكان.. رغم انها تزيد عن نصف مساحة فلسطين.. ولا أحد يعرف الاسم العربي لها.. وإن كان هناك من يطلق عليها «أم دومنة» أو «أم أرديمة».. لكن.. من المؤكد أن أرض ديمونة ملكا لقبائل بدوية تعرف باسم «عرب التائهة». وليس من السهل معرفة سر اختيار ديفيد بن جوريون لديمونة كي يبني فيها المفاعل النووي؟.. هل السبب في توافر المياه في باطنها؟.. أم وجود أنفاق طبيعية في الجبل المحاذي للمفاعل والذي يصل ارتفاعه الى 588 مترا؟.. أم قربها من مناجم الفوسفات التي يستخلص منها اليورانيوم.. وليس من السهل معرفة مايدور في داخلها.. بما في ذلك طبيعة سكانها.. هل هم مدنيون؟.. أم هم عسكريون متنكرون؟.. وهي تبدو مثل واحة من الأسمنت والنخيل.. يحتاج الاقتراب منها الى تصريح خاص يوقع عليه مسئول خاص في مكتب رئيس الحكومة.. وتمنع السيارات العابرة من التوقف هناك.. لذلك فالصور التي التقطت لها متشابهة وغير واضحة.. فقد التقطت من غرب المفاعل.. عن بعد.. ومن سيارة مسرعة.. وبالرغم من ذلك تباع هذه الصور بأسعار مذهلة. ويقع المفاعل نفسه على تل يرتفع نحو 183 مترا فوق سطح البحر.. وتحيط به عدة مطارات وقواعد عسكرية.. أهمها قاعدة هاتزريم الملحق بها مدرسة لتعليم الطيران.. وسر أهميتها أن الخبراء يتعقدون انها مركز تجميع ونقل السلاح النووي الاسرائيلي.. وكل هذه المطارات والقواعد لحماية المفاعل.. وتدعمها شبكة عريضة من الرادارات.. بالقرب منها معسكرات للقوات البرية والقوات المحمولة بالمدرعات.. والأوامر الدائمة للمدفعية اطلاق النار والصواريخ على أية طائرة تخترق المجال الجوي هناك بما في ذلك الطائرات الاسرائيلية التي يحرم عليها الطيران فوق المفاعل.. وقد حدث قبل سنوات أن سقطت طائرة اسرائيلية عبرت المنطقة الحرام بطريق الخطأ. وتكتسب مدينة ديمونة شهرة عالمية واسعة بسبب المفاعل.. وطبقا لاخر المعلومات فإن المفاعل الفرنسي أدخلت عليه توسعات عديدة حتى اصبحت طاقته تزيد على 150 ميجاوات ليستخلص المزيد من البلوتونيوم.. وهو مايعني تصنيع المزيد من القنابل النووية.. ويقدر عدد هذه القنابل بنحو 300 قنبلة توصف بأنها في «القبو».. أي جاهزة تحت الطلب.. والاسم الرسمي للمفاعل هو: كريا ـ لو ـ محيكا ـ جارني.. ومعناه: مركز النقب للأبحاث النووية.. أما مايجري في داخله فقصة اثارة تستحق الصبر والانتظار. ـ كاتب مصري