السبت 5 محرم 1424 هـ الموافق 8 مارس 2003 خلال أسبوع واحد فقط رأى المواطن العربي من أقصى البحر إلى أقصاه ما لم يكن يراه أو يسمعه أبداً، فقد مرّت مناسبتان أحدثتا تحولاً مثيراً في عيون الإنسان العربي، وفكره، ولغته، وأسلوب تعامله، وثقافته، مع المستجدات أياً كان شكلها ولونها ورائحتها. المناسبة الأولى هي قمة شرم الشيخ وتداعياتها التي وصلت إلى حدّ التلاسن، والثانية هي القمة الإسلامية التي فاقت التلاسن ووصلت إلى ذروة السباب.. وكل ذلك على مرأى ومسمع الصغير والكبير، وبتواجد المحطات الفضائية الحاضرة التي بدأت وبفضل الشفافية الكونية بنزع ورقة التوت وكشف المسكوت عنه دائماً في السياسة العربية العربية. كثيرون يعتقدون أن ما حدث في هاتين المناسبتين يجب ألا يحدث، وشخصياً أرى ان ما حدث يجب أن يحدث، فهو ظاهرة صحية فرضتها الأحداث المتلاحقة في المنطقة، اضافة إلى الدبلوماسية العربية التي غالباً ما تركّز على أن كل شيء على ما يرام، في حين ان وراء الأكمّة ما وراءها. لقد تعودت الأنظمة العربية منذ زمن بعيد على مجاملة بعضها البعض بشكل مثير أفقدها الكثير من الثقة التي تؤدي إلى المصارحة، مما أوجد الريبة والشك والتحفز على كل ما يطرح من مبادرات لترميم وتقويم الصف العربي الذي كان وما زال معوجّاً ومتداعياً لأن أسباب الاعوجاج قائمة وموجودة لا ريب! وما حدث ربما يكسر الحواجز الوهمية التي صنعتها الدبلوماسية العربية تحت ما يسمى المسكوت عنه في العلاقات العربية، وربما يضع العرب على طريق الشفافية البعيدة عن المجاملة الطاغية التي كثيراً ما تخرجنا عن جادة الصواب، خاصة ونحن نعيش زمناً فضائياً مفتوحاً على مصراعيه، زمن يؤثر فينا ونؤثر فيه، زمن متواصل باكتشافاته العلمية وثورته الهائلة على ما هو سائد ومألوف، فمنذ أن بدأ البث الفضائي وأجيزت استخداماته، انكشفت مساحات الكرة الأرضية أمام هذا الانجاز المثير، فلم تعد ورقة التوت تستر عورة أحد. فقد أصبحت الدنيا المترامية تتكشف في سباق غير معهود أو مسبوق أمام كل ما هو كائن. وبعد أن خرج هذا المارد الفضائي عن سيطرة سيّده، برز السؤال: أين الخصوصية والسرية التي كانت تسيطر على العالم؟ وكيف نحكم أسرارنا السياسية والاجتماعية؟ وهل نقول للسرية وداعاً؟ هذه الأسئلة وغيرها بدأت تطرح نفسها على الواقع المعاش بعد أن فقدت الخصوصية عذريتها وبعد أن أصبح رئيس أكبر دولة في العالم يقف على مرأى الناس جميعاً كالطالب الخائب يجيب عن أسئلة تدخل فيما يسمى الخصوصية والسرية! وعندما قالوا في الأمثال قديماً (عش رجباً تر عجباً) لم يخطئوا ولم تأت كلماتهم عبثاً، فنحن نرى عجباً بعد أن تحولت الكفة وانقلبت تماماً لصالح العولمة وما جرّته إلينا من انفتاح كلّي على كل شيء، وبعد أن تطورت الأفكار وتواصلت الدول تكنولوجياً، وانتفت الحاجة إلى البحث المضني عمّا تخبئه الحدود والفواصل، وبعد أن أصبح الساتر الذي يقف خلفه الآخرون شفيفاً وقابلاً للكسر، فتواصل العالم شرقه وغربه، شماله وجنوبه من حيث لا نحتسب. وبلغة شفيفة أخذت رياح التغيير تهب من كل صوب وحدب ولم تستثن أحداً، ومع هذا التغيير تبدلت أشياء كثيرة وتواصلت أشياء أخرى أكثر اثارة، ولم يبق سوى صوت قديم هنا، وبحّة هناك! لم ينج أحد من ذلك الهبوب اليومي المتواصل الذي بدأ يحاصر كل الزوايا والأمكنة، والذي أخذ يحاصرنا في الهواء والماء والسياسة والاقتصاد والصحف والإعلام والمحطات الفضائية والتعليم. قد نتفق أو نختلف، لكن علينا أن نعترف أننا نعيش زمناً آخر، فأمام هذا الزحف لن يقف أحد مهما أوتي من قوة، ومهما كانت المحاولات والاستماتة، فرياح التغيير تهب على الجميع بدءاً من حامل الكاميرا وانتهاء بأصحاب الملايين. وربما يعتقد الكثيرون ان اللقطات المتلاحقة التي تكررها بعض المحطات الفضائية للملاسنات التي حدثت في القمتين العربية والإسلامية تمثل تشويهاً لصورة المسئول العربي الملتزم بحدود اللياقة، وفي اعتقادي أن ذلك ربما هو التغيير الذي يجب أن يحدث في شكل العلاقة بالآخر بعد أن ظلت العلاقات التقليدية ذات الوتيرة الواحدة تتحكم في الإطار العام. تحتاج الدبلوماسية أحياناً إلى الخروج على النص، وتجاوز حدود الوجه الواحد، بل وتحطيمه إذا ما اقتضت الظروف فرض نماذج جديدة من العلاقات المتعافية، فمتى ما استطعنا تحديد ألوان الإشارات، عرفنا متى نمضي ومتى نقف! الحداثة السياسية في الوطن العربي تحتاج وبصدق إلى فك المفردات التقليدية التي رسمتها دبلوماسية الصمت والتعتيم خلال الخمسين سنة الماضية، فالعرب يحتاجون إلى تغليب لغة الحوار وفهم الآخر والاعتراف بالأخطاء بعيداً عن مناخات الردح والكذب السياسي والمزايدات التي أوصلتنا إلى النفور والقطيعة، فجميعنا يسمع جعجعة ولا يرى طحناً! والسؤال: إذا لم يكشف المستور والمسكوت عنه في هذا الزمن المفتوح، فمتى يكشف ومتى يستيقظ العرب؟!