السبت 5 محرم 1424 هـ الموافق 8 مارس 2003 قال الأصمعي: قلت لغلام حدث من أولاد العرب كان يحادثني، وأمتعني والله بفصاحته وملاحته: أيسرّك أن يكون لك مئة ألف درهم وأنك أحمق؟ قال: لا والله! قلت: ولم؟ قال: أخاف أن يجني عليّ حمقي جناية تذهب بمالي ويبقى عليّ حمقي. وقيل لبعض الصبيان: ألك أب؟ قال: فكأني عيسى بن مريم! وقد قال الحكماء: اية العقل سرعة الفهم وغايته اصابة الوهم، وليس للذكاء غاية ولا لجودة القريحة نهاية. أياس بن معاوية الذي يضرب المثل بذكائه قال لأبيه وهو طفل، وكان أبوه يؤثر أخاه عليه: يا أبت، تعلم ما مثلي ومثل أخي معك إلا أنّا كفرخ الحمام، أقبح ما يكون أصغر ما يكون، وكلّما كبر ازداد ملاحة وحسناً، فتبنى له العلالي وتتخذ له المربعات وتستحسنه الملوك، ومثل أخي مثل الجحش أملح ما يكون أصغر ما يكون، وكلّما كبر قبح وصار إلى القهقرى، إنما يصلح لحمل التراب. قال بعض الحكماء: كفى بالتجارب تأديباً وبتقلّب الأيام عظة. وقالوا: التجربة مرآة العقل والغرّة ثمرة الجهل. وقالوا: المشايخ أشجار الوقار وينابيع الأنوار، لا يطيش لهم سهم ولا يسقط لهم وهم، فعليكم بآراء الشيوخ فإنهم إن عدموا ذكاء الطبع فقد أفادتهم الأيام حنكة وتجربة. وقال الشاعر: ألم ترَ أنّ العقل زين لأهله ولكن تمامُ العقل طولُ التّجارب غير أن للعقل آفات، كما قال بعض الحكماء: كيف يرجو العاقل النجاة، والهوى والشهوة قد اكتنفاه؟ والهوى أبعد من أن تنفذ فيه حيلة الحازم المحتال، وهو أملك في النفس من النفس. ولهذا قيل: كم من عاقل أسير عند هوى أمير؟ فمن أحب أن يكون حراً فلا يهوى وإلا صار عبداً كما قال علي بن الجهم: أنفسٌ حرّة ونحن عبيدٌ إنّ رقّ الهوى لَرِقّ شديد