السبت 5 محرم 1424 هـ الموافق 8 مارس 2003 قمتان: عربية وإسلامية بنتائج خائبة وازدياد في الشرخ بين أبناء الجلدة الواحدة والعقيدة الواحدة. في الأولى تلاسنت دولتان، وفي الثانية تلاسنت دولتان، يعني أربع دول عربية تحوّلت من موقع الاخوة إلى موقع العداوة واستعدت معها الشعوب إلى تلك الدرجة التي يتظاهر فيها الليبيون أمام السفارة السعودية في طرابلس.. وعلى ذكر التظاهر، فإن العالم يتظاهر بالنيابة عنّا من أميركا إلى أوروبا إلى آسيا وجميعهم يهتفون ضد الحرب وأغلبهم ضد أميركا، والقادة الذين يقفون ضد حرب أميركا المحتملة على العراق لا يفعلون ذلك حباً بالعراق، بل يفعلونه حباً في بلدانهم، لأن المواقف الوطنية تعزز الضمير القومي للشعوب وتصعد به إلى مصاف عالية من قوة الانتماء، ولعل ما يفعله شيراك من صلابة دبلوماسية ضد الحرب يأتي في هذا السياق، فهو ديغولي عريق يفهم أميركا من خلال انفرادها بالقرار العالمي وتهميش فرنسا قائدة أوروبا في أكثر من عصر، ويفهم أن أميركا تناصر بريطانيا كجذر تاريخي، وهذا يعني ان عدوة فرنسا طيلة قرون ستكون في حلف أميركي مما يطيح بآمال شيراك العتيد لاعادة ماء الوجه لأوروبا العجوز. ما يفعله العالم ضد الحرب عكس ما نفعله نحن، ويمكن رصد حركة الرفض عبر تلك التظاهرات العارمة، بينما نعيش نحن حالة اليأس واللامبالاة يعكسها الإعلام العربي بشكل فاضح، حيث لدينا محطات فضائية تبث بمعدل خمسمئة أغنية شبابية في اليوم الواحد، وجميعها أغنيات راقصة فيها ميوعة حالنا وهزة وسط آمالنا. لقد أسقط البريطانيون والأميركان خلال السنوات العشر الماضية ثمانية أضعاف ما أسقط من قنابل على هيروشيما، وارتفعت نسبة الجائحات المرضية بمعدل 15%، وعادت إلى الظهور أمراض كانت منقرضة، وأصبح الفرد العراقي يعيش على أقل من مئة دولار في السنة، ورغم كل ذلك، نحن نغني سعداء باختراع التلفزيون والفيديو كليب، وعلى ذمة أحد المطربين فإن تصوير أغنية فيديو كليب جديدة كلفته 200 ألف دولار، لأنه تنقل فيها بين القارات حاملاً راقصاته من صقيع إلى لهيب، ومن جبال إلى مروج، ومن صحار إلى بحار، بحيث ينطبق عليهم المثل العامي (أكل ومرعى وقلة صنعة) إلا إذا كان الغناء صنعة، وفي هذه الحالة يمكن أن يساهم في معركة الرفض للحرب، وهذا ما فعله مطرب المرحلة «شعبولا» أو شعبان عبدالرحيم الذي اشتهر سابقاً بأغنية «أنا بكره إسرائيل» فقد استمعت أمس بالتحديد إليه وهو يقول: «ها ننزع السلاح وماله شيء جميل ها تفتش العراق روح فتش اسرائيل كفاية بقى تلاكيك خلاص الخلق ضاق ما تشوفوا اسرائيل وسيبوكم من العراق» وتطول النغمة الواحدة والجملة الموسيقية الواحدة لهذه الأغنية والتي قيل انها انتشرت في مصر بسرعة البرق وتذيعها المحطات الفضائية العربية ضمن الخمسمئة أغنية التي تعلِّم وتربي الشباب والناشئة، وجميعها أغاني ردح وبكائيات وتعطيل همم. لكن هل يعقل أن يكون لسان حال الشعب العربي طرباً رخيصاً كالذي قال «شعبولا». حقاً إن لكل مقام مقالاً، وان نظاماً سياسياً متردياً كالعبث الذي نشهده ونعيشه الآن يحتاج إلى مطرب كشعبان عبدالرحيم الذي غمز من قناة مؤتمر قمة شرم الشيخ قائلاً: «أنا نفسي أشوف العرب زي الهلال والقمر ونفسي مرّة واحدة ينجح لنا مؤتمر» طبعاً نحن لن نرد عليه قائلين: «ده بُعدك يا شعبولا» حتى لا يصير هناك تلاسن فضائي، بل نقول: ولا في المشمش.. يا مشمش! ولن نرد عليه قائلين أيضاً أين هذا الكلام السقيم مما شدا به الفنان الراحل محمد عبدالوهاب في بداية النضال العربي من أجل فلسطين حين غنى: أخي جاوز الظالمون المدى فحق الجهاد وحق الفدا أنتركهم يغصبون العروبة مجد العروبة والسؤددا وليس بغير صليل السيوف يجيبون صوتاً لنا أو صدى ومعذرة لعبدالوهاب اننا اضطررنا للأسف لوضعه في ميزان المقارنة مع شعبولا. ومرة أخرى.. في المشمش!