السبت 5 محرم 1424 هـ الموافق 8 مارس 2003 أثارت مواقف كل من المانيا وفرنسا، القوتين الأكبر في اوروبا، في مواجهة السياسات الاميركية عموماً وتجاه العراق والشرق الاوسط ، بشكل خاص، الكثير من التساؤلات حول دوافع هذه المعارضة وأهدافها الحقيقية، خاصة وان الدولتين كانتا من اقوى واقرب حلفاء اميركا في «القارة العجوز»، وربما على المستوى الدولي، باستثناء بريطانيا الظل الملازم للولايات المتحدة منذ عقود. وقد عزا البعض هذين الموقفين، ومعهما بعض الدول الاوروبية الاخرى بدرجات متفاوتة الى خشية هذه الدولة على مصالحها الآنية او متوسطة المدى، وأحياناً الى البعد الاخلاقي والقانوني الذي لا يعطي اي مبرر لتشدد اميركا واصرارها على الحرب، مهما كانت الذرائع وقوة الرفض العالمي رسمياً وشعبياً. ومع ان السياسة عموماً لا تحكمها المبادئ ولا الاخلاق، وانها محكومة بأفكار ميكيافللي ونظريته الشهيرة «الغاية تبرر الوسيلة»، الا ان ذلك لا ينفي امكانية ان تلتقي المصالح والمبادئ في لحظة تاريخية او مرحلة معينة، كما ان حماية المصالح الوطنية هي مسئولية الحكومات وواجبها في كل الدول، خاصة اذا كانت فيها محاسبة شعبية او مؤسسية تحاسب هذه الحكومات وتراقب اعمالها. وكل هذه تفسيرات مقبولة وفيها الكثير من المنطقية والواقعية غير ان تفسير آخر لهذا التشدد الاوروبي في مواجهة حليف بحجم ومكانة الولايات المتحدة، وبعمق العلاقات الاستراتيجية والتاريخية معها، قد يكون اكثر مدعاة للتوقف والتأمل. فالقارة الاوروبية التي عانت من حربين عالميتين خلال ثلاثين سنة (1914-1945) والتي تستعد الآن لاستكمال وحدتها الكلية ابتداء من العام المقبل (2004) عانت من النازية والفاشية وتكبدت ملايين القتلى والمصابين، فضلاً عن الخسائر المادية التي لا يمكن حصرها.. أوروبا هذه يبدو انها لم تعد على استعداد لحروب ومغامرات اخرى قد تؤدي الى كوارث واضطراب عالمي يعيد الى الاذهان مآسي الحربين العالميتين السابقتين. ولعل السياسات الاميركية التي يتبناها الرئيس جورج بوش الثاني وادارته، والخطط التي يعبرون عنها صراحة في معظم الاحيان وضمنا في احيان اخرى، فضلاً عما يمكن ان تكون فرنسا وألمانيا تعرفانه اكثر من ذلك، بحكم علاقاتهما مع اميركا او من خلال اجهزتهما المختلفة.. كل ذلك اعاد الى اذهان الساسة الفرنسيين والالمان والى اذهان شعبي البلدين شبح هتلر جديد في طور التشكل، او ربما قد تشكل فعلاً، ولكن هذه المرة في البيت الأبيض والعاصمة واشنطن، وليس في برلين ايام الرايخ الثالث! فهل يمضي بوش في غطرسته وشهيته الحربية، ليؤكد هذه المخاوف من ظهور «هتلر جديد»، لكن بأسلحة اشد فتكا ودماراً؟ ام انه ما زالت هناك بقية من حكمة وتعقل؟! نأمل ذلك!!