السبت 5 محرم 1424 هـ الموافق 8 مارس 2003 استمرارا لمناقشة أوضاعنا العربية من وحى تأثيرات الأزمة العراقية وتداعياتها على النظام العربى نقول أنه اذا كانت هذه الأزمة قد كشفت ضعف هذا النظام فإن القضية الفلسطينية، في تطوراتها الجارية تنزع ورقة التوت عنه. فالأحداث التي نشهدها في الأراضي المحتلة تشير الى مدى التردي الذي وصلت اليه هذه القضية بشكل عام وأوضاع الفلسطينيين على المستوى الانساني بشكل خاص رغم الصمود الأسطوري الذي يبديه الشعب الفلسطيني في مواجهة الألة العسكرية الإسرائيلية الجبارة، ذلك انه لا يكاد يمر يوم أو اثنين إلا وتحمل لنا الأنباء استشهاد العديد من الفلسطينيين في عمليات التوغل الإسرائيلية التي تستهدف إحكام السيطرة على البقية الباقية من الأراضي الخاضعة للفلسطينيين بما يحقق في النهاية هدف ابتلاعها بالكامل. وقد دخلت هذه العمليات الحد الذي وصفه كلوفيس مقصود من قبل ب (الروتنة) بمعنى أن عمليات الإغتيال والقتل التي تمارسها القوات الإسرائيلية باتت من الطقوس اليومية التي اعتدنا عليها لدرجة قد نستغرب معها عدم حدوثها! وخطورة هذه الحالة هى الوصول الى حد امكانية التعايش معها والاصابة بحالة تبلد في المشاعر تجاهها وهو ما نلحظه على كافة المستويات. واستمرارا لحالة (الروتنة) التي تحاول إسرائيل فرضها علينا مر غياب الرئيس الفلسطيني عرفات عن القمة العربية بشرم الشيخ مرور الكرام، باعتباره حدثا عاديا بعد أن كان حدثا مثيرا للجدل في القمة العربية الماضية في بيروت باعتباره يتم للمرة الأولى، ولم يكلف زعيم عربى أو دولة عربية إثارة المسألة أو تصعيدها الى مستوى الأزمة حتى لمجرد تسجيل موقف، فيما من المتوقع أن الجنرال تومي فرانكس مرشح للمشاركة في القمة المقبلة بتونس ممثلا للعراق! وهى مفارقة عجيبة تؤكد أن الواقع يفوق الخيال أحيانا حيث يغيب زعيم عربى أو يتم تغييبه عن قمة للزعماء العرب ويشارك أخر أجنبى ممثلا لبلد عربى ثان! ولأن عالمنا لا تحكمه سوى لغة القوة، وإزاء هذا التخاذل المهين يبدو واضحا أن شارون يستغل الأزمة العراقية حتى الآن في تحقيق مخططه الذي يستهدف الإجهاز على ما امكنه من الشعب الفلسطيني من خلال عمليات قتل يومية مبتدعا اسلوبا جديدا في الترانسفير هو الترحيل بالقتل ـ الإبادة البطيئة ـ فيما يبدو أنه ترانسفير طويل المدى بدلا من الترحيل الى الدول المجاورة وهو أسلوب أجدى وأنفع إسرائيليا للتخلص من صداع القضية الفلسطينية انتظارا لفرصة تحقيق عمليات الترانسفير الكبرى وهى الفرصة التي تلوح حاليا مع احتمالات اندلاع الحرب على العراق. لا نقول ذلك من قبل التهويل، فأي متابع للسياسة الإسرائيلية يعلم أن هدف الترحيل جزء أساسي من برنامج أغلب القوى والأحزاب الإسرائيلية. ونشير هنا الى أن ما ذهبت اليه بعض التيارات الإسرائيلية من أن حرب الخليج الثانية كانت فرصة مناسبة لتنفيذ مخطط الترحيل. وقد كان شارون نفسه من كبار المسئولين الإسرائيليين الذين شجعوا النقاش العلني لحل الترحيل ضمن إسرائيل الكبرى في الثمانينات غير أنه طالب فيما بعد بالكف عن الحديث عن الترحيل والانتقال بدلا من ذلك الى وضعه موضع التنفيذ. عربيا لم ينتبه الى أهمية القضية وسط الضجة المثارة بشأن العراق والتي تستحوذ على اهتمام عربى كبير ـ بغض النظر عن مدى فاعلية هذا الاهتمام ـ سوى الرئيس المصري حسنى مبارك حيث راح خلال زيارته الأخيرة لالمانيا يشير الى أن القضية الفلسطينية تعد أكثر أهمية من الأزمة العراقية. ورغم ما يمكن أن يرد على هذا الطرح من ملاحظات عديدة في ضوء قراءة متأنية للتعاطى المصري مع الأزمات العربية وهو أمر عرضنا له في مقال الأسبوع الماضي إلا أنه من الواضح أن القضية الفلسطينية تائهة في زحام القضية العراقية. من الخبل ان ندعو الى توجيه الاهتمام الى القضية الفلسطينية والتغافل عن القضية العراقية، غير أن ما نود أن نؤكد عليه هنا هو ضرورة التعاطى مع القضيتين بنفس مفهوم وزير الدفاع الأمريكي رامسفيلد بشأن إمكانية خوض الولايات المتحدة حربين في وقت واحد مع العراق وكوريا الشمالية.. بمعنى خوض المعركة السياسية عربيا على جبهتي العراق وفلسطين في وقت واحد. صحيح أن الفشل العربى حتى الأن في التعاطى مع الأزمة العراقية والفشل المزمن بشأن القضية الفلسطينية يثبط الهمم بشأن امكانية نجاح أى تحرك، غير أن التسليم بالفشل لا يعني في هذه الحالة تنحى صدام فقط أو أكثر نظرائه وانما يعني أيضا تنحى الشعوب العربية ذاتها، بمعنى قبولها العيش في خنوع وعلى هامش الأمم! والسؤال هنا لماذا تفتقد الدول العربية القدرة على الابداع السياسي في السعي الى استغلال الأزمة العراقية في تحسين الموقف على صعيد القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي بشكل عام ؟ لماذا لا تعلن هذه الدول ضرورة نزع أسلحة الدمار الشامل الإسرائيلية بالتوازي مع المساعي الأمريكية لنزع نظيرتها العراقية التي يوجد شك بوجودها أصلا؟ واذا كانت الولايات المتحدة قد نجحت فجأة وخلال عدة شهور في تصعيد الأزمة مع العراق الى حد جعلها القضية رقم 1 في العالم، فلماذا لا يلح العرب على طرح قضية أسلحة الدمار الشامل الإسرائيلية؟ لماذا لا تسعى الدول التي قدمت للولايات المتحدة تنازلات مجانية بشأن الأزمة العراقية الى الحصول على ثمن على صعيد القضية الفلسطينية رغم الإقرار بعدم أخلاقية هذه التنازلات أصلا؟. واذا كان بوش الإبن يعدنا بوضع أفضل للفلسطينيين بعد تسوية الأزمة العراقية فلماذا لا تبدأ محاولات إقرار هذا الوضع الآن وليس غدا ؟ ثم ألم يتعظ العرب بما حدث خلال حرب الخليج الثانية؟.. لقد راح بوش الأب يداعب مشاعرنا معلنا تكريس الجهود فيما بعد الحرب لإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي فكان مؤتمر مدريد ذرا للرماد في العيون وهو الأمر الذي لم يتمخض سوى عن مزيد من التدهور في الموقف العربي إزاء الصراع مع إسرائيل. إن ذلك يطرح التساؤل حول كفاءة أداء النظم العربية وتوجهاتها، وهو تساؤل لا يجد اجابته سوى في ضرورة إصلاح هذه النظم واذا كان ذلك أمرا مفروغا منه فالسؤال: كيف السبيل؟ تلك هى القضية الأهم.. والتي قد تتجاوز أهميتها ـ في نظرنا ـ القضيتين العراقية والفلسطينية، فحينئذ، وحال تحقق هذا الإصلاح، يمكننا استعادة ما فقدناه سواء على الصعيد العراقي أو الفلسطيني، أو مكانتنا التى تدهورت أو مواردنا التي نهبت.. لتقوم لنا قائمة بعد طول انحناء!