السبت 5 محرم 1424 هـ الموافق 8 مارس 2003 مع الرفض التركي المؤقت لنشر القوات الأميركية على الأراضي التركية والرفض الروسي للتصويت على مشروع القرار الأميركي ـ البريطاني، ومع إجماع دول الشرق والغرب على رفض الحرب الأميركية المعلنة ضد العراق، نكون قد دخلنا فعلا في مرحلة العد التنازلي لبدء حرب من طرف واحد وخارج إطار الأمم المتحدة، وهو سيناريو روجت له الإدارة الأميركية عبر دبلوماسييها وعسكرييها من البنتاغون ورأيناها كأحد المسلمات التي برزت في الخطاب السياسي الأميركي الذي لم يعد سياسيا منذ جاء جورج بوش للحكم مطلع العام 2000. ونستطيع أن نجد ذلك في ما قاله وزير الخارجية الأميركي كولن باول وفي ما قاله الرئيس الأميركي نفسه من أن الحرب لا تحتاج إلى قرار من مجلس الأمن وان الولايات المتحدة ستشن هذه الحرب وحدها إن لزم الأمر، ولذا حشدت جيشا جرارا كلفها المليارات حتى هذه اللحظة وأرسلت نصف إسطولها البحري من حاملات الطائرات للمنطقة العربية، فكيف يمكن أن تكون هذه الحرب التي ستسقط شرعية الأمم المتحدة وتلغي دورها ودور المجتمع الدولي ؟ بالتأكيد ستكون هذه الحرب فاصلة بين النظام العالمي الذي تشكل بعد انتهاء الحرب الباردة والذي أسميه بـ «النظام الثالث»، حيث سقطت القطبية ودار العالم حول مركز رأسمالي هو الولايات المتحدة وخطت القوى الغربية طريقا ثالثا لنهجها السياسي ولكن دون الخروج عن تبعيتها لأميركا، إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن عالم ما بين الحربين الأولى والثانية كان النظام الأول الذي انتج عصبة الأمم المتحدة، وكان النظام الثاني هو ما نتج عن الحرب العالمية الثانية حيث انتصر الحلفاء (الاتحاد السوفييتي واوروبا القديمة والولايات المتحدة) وأفرز القطبية والأمم المتحدة في ما بعد. ويمكن تصور ما ستنتجه هذه الحرب التي يتوقع أن تقوم بين ليلة وأخرى، وفق المعطيات المتوفرة على أرض الواقع، فالواقع هو أن الحشود الأميركية جاءت لتحارب وهي كافية لمحاربة المنطقة برمتها وليس العراق وحده، وذلك ما يؤكد أن المخطط الأميركي هو ترتيب المنطقة بما يتناسب مع المصالح الأميركية، لكن الذي ينبغي النظر إليه هو استعداد دول المحور الذي تشكل معارضا للحرب وهو محور أوراسيا ( الصين ـ روسيا ـ فرنسا ـ المانيا) ومن الغرابة أن نجد أن هناك«محورا» تشكل مقابل «حلف» ليرسم طرفي الحرب الباردة ـ الساخنة الجديدة مقارنة بدول المحور ودول الحلفاء في عام 1945 وكأن التاريخ يعيد نفسه حقا. والسيناريو الذي يمكن تخيله وهو أقرب للتصور أن تقوم الولايات المتحدة بشن حرب خارج إطار المنظمة الدولية مع حلفائها بريطانيا وأسبانيا، وقد تجد أرضية ممهدة أواخر مارس في تركيا عندما تعاود تركيا التصويت على منح الأميركيين الموافقة لنشر القوات وسيكون ذلك متأخرا بعض الشيء لكنه سيحصل وفق منطق المصالح التركية والأميركية معا ووفق ارتباط تركيا بحلف استراتيجي مع أميركا وإسرائيل معا، وبالطبع فان الطموح التركي يقفز إلى محافظات النفط الشمالية العراقية التي كانت للعثمانيين. الوضع الدولي المعارض للحرب الأميركية والذي هو محرج من استخدام الأراضي السعودية بفعل الرفض السعودي للحرب سيتيح للولايات المتحدة الاعتماد على حرب جوية بالدرجة الأولى مع محاولة غزو الشمال بالقوات الكردية والشيعية الموجودة هناك وهي بذلك تدفع هذه القوات كمقدمة تتلقى الصدمات الأولية للحرب دون جنودها، إضافة لما يمكن أن تستخدمه من القوات التركية في المنطقة. وبالتأكيد فان الرفض الدولي سيسارع إلى رفع الفيتو في مجلس الأمن لوقف هذه الحرب وذلك سيمنحها ستة أيام في أقل تقدير ونجد ذلك واضحا في تعبير وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد الذي قال «أنها حرب قد تستمر ستة أيام أو ست أسابيع» وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أن ست أسابيع تعتمد على الدعم الدولي فمن باب أولى أن تكون الحرب بدون دعم دولي ستة أيام وذلك هو الوقت المحدد لأي رئيس أميركي يخوض حربا بدون تفويض دولي وفق الدستور الأميركي الذي يمنحه ستة أيام لوقف الحرب وتقديم تبرير لها إذا كانت خارج إطار الشرعية الدولية. وبالطبع فان حرب الأيام الستة لن تتيح للجيوش الأميركية حربا برية إذ تفترض الحرب البرية زمنا كافيا، وهدف أميركا هو مطاردة الرئيس العراقي في شوارع بغداد لكن الوقت سيضايقها ولن تغامر بإنزال جوي على بغداد وهي تعلم أن الجيش العراقي مع عدته القتالية التقليدية قوامه 600 ألف مقاتل مدربين وخاضوا حربين سابقتين ونتذكر كيف أن الأميركيين انسحبوا في الحرب البرية التي بدأت أواخر فبراير عام 1991 وتركوا ساحات القتال لفيلق بدر الشيعي والمليشيات المتمردة على الجيش العراقي ولم يجازفوا بمواجهة برية. الزمن سيحصر الأميركيين إذن في حرب جوية مكثفة تأمل أن تؤتي نتائجها قبل أن يوقف المجتمع الدولي هذه الحرب اللاشرعية، وحرب كهذه لاتسقط حكومة كحكومة بغداد وبذا لن تحقق الحرب هدفها، لكنها ستشعل حروبا عرقية بين الأكراد والأتراك، وبين الشيعة والجيش العراقي وقد تسبب اندلاعات هنا أو هناك في المنطقة العربية المحيطة إذ تتزايد رقعة الرفض الشعبي العربي وتستفز هذه الحرب العالم العربي وهو ما يهدد استقرار المنطقة، لكنها في المقابل ستسقط حكومة بلير وتضع حكومة بوش في مأزق كبير جدا قد يطيح به خاصة مع الكشف الذي سيلي الحرب والذي سيكشف الكذب الأميركي. إضافة لذلك سيتشكل (عالم رابع ) متعدد القوى وهي قوى ستكون معا جدارا ( أوراسيا ) قد يكون أقوى ركن فيه الصين التي تنبأ لها نيكسون منذ عقود بالقطبية، وسينقسم العالم مرة أخرى إلى دول محور وأحلاف، وقد تبرز قوة دول عدم الانحياز مرة أخرى إذا استطاعت أن تتدارك اقتصادياتها المرهونة للاقتصاد الأميركي خاصة وان دول عدم الانحياز أدركت خطورة الوضع وسعت لتشكيل تجمعات اقتصادية داخلها مثل مجموعة شنغهاي وغيرها. الكارثة الأكبر ستكون عندما تدفع أميركا وحدها فاتورة حرب خاسرة وفاتورة إعادة الجنود التي ستكلف وفق إحصائية معتدلة تسعة مليارات تضاف الى ستين مليارا هي كلفة الحرب الخاطفة والتي ستزيد العجز الأميركي الى أربعة أضعاف ماكان من عجز زمن بوش الأب، وقد تقصم هذه الحرب ظهر الرأسمالية وتسقطها كما تنبأ الخبراء منذ عقد من الزمان