السبت 5 محرم 1424 هـ الموافق 8 مارس 2003 مشهد الترسانة العسكرية الاميركية والبريطانية المتدفقة على المنطقة لا يبعث على الفزع لمصير 25 مليون عراقي ينتظرون انهمار القنابل، وكل انواع الأسلحة الفتاكة كالمطر فوق رؤوسهم بين عشية وضحاها بقدر ما يثير الهلع على مستقبل أمة شاء حظها العاثر ان تقع رهينة قيادات رسبت للمرة الألف في اختبار القيادة ولم تحصل ـ للأسف ـ على رخصة بتولي امور اكثر من ربع مليار من البشر. العالم مشغول بهول المعركة المقبلة التي تريد واشنطن عبرها التأكيد العملي على سيادتها على الكون باستخدام كل الأسلحة المحظور منها قبل المشروع، ونحن فشلنا حتى في التعبير عن رفضنا لجهنم الحمراء التي تنتظر اشقاءنا في العراق. ادارة بوش تفكر بل و تجاهر في بعض الاحيان بنيتها في استخدام اسلحة نووية في ميدان الرماية العراقي والعرب منشغلون بتعميق خلافاتهم وفضح تشرذمهم امام كاميرات الفضائيات «وعلى عينك يا تاجر» فمن قمة شرم الشيخ العربية الى قمة الدوحة الاسلامية شاهدنا التلاسن وتبادل الاتهامات بالخيانة والعمالة بينما المجهول ينتظر ملايين العرب. انتظر الشارع العربي القمة تحت وهم التشبث بالقشة التي تنجي من الغرق، فاكتشف ان غياب القمم رحمة، وان ما حدث في شرم الشيخ على مرأى ومسمع من العالم، كان فضيحة غير مسبوقة، وان حاول البعض ترميم البناء المنهار بالدعوة الى «قمة استئنافية» وهو تعبير يضاف الى حظيرة ريادتنا اللغوية وقدرتنا على اشتقاق المعاني العارية من اي مضمون لان واذا كانت القمة العادية التي ولدت بعد مخاض عسير على هذا النحو المهلهل، هل ننتظر او نرجو خيراً من اخرى استئنافية تذكرنا بمحاكم الجنايات.. ام هو مجرد تلاعب بالدعوات؟! في مقال بقلم جيفري ستاينبيرغ بمجلة «اكزكتف انتلجنس ريفيو» وصلني بالبريد الالكتروني يحذر صاحبه من احتمال تنفيذ الولايات المتحدة خطة لشن ضربة نووية استباقية ضد العراق ودول اخرى في ضوء تفكير صقور الادارة الاميركية في نشر جيل جديد من القنابل النووية الصغيرة ووسائل نووية اخرى سيتم استخدامها كجزء من ترسانة اميركا العسكرية الهجومية. ويقول الرجل «ان الترويج لانتاج جيل جديد من الاسلحة النووية، لكي يستعمل كجزء من ترسانة اميركا العسكرية الهجومية كان جارياً لمدة عقد حيث طفت هذه الفكرة الى السطح اول مرة مباشرة بعد حرب الخليج الثانية عام 1991». فبعد فترة قليلة من عملية عاصفة الصحراء طلب ديك تشيني الذي كان يشغل منصب وزير الدفاع آنذاك اعداد دراسة حول ما ينبغي على الولايات المتحدة ان ترد به على الواقع الاستراتيجي العسكري الجديد بعد سقوط الاتحاد السوفييتي هذه الدراسة ـ والكلام لجيفري ستاينبيرغ ـ قدمها بول وولفوتيز الذي كان مساعد وزير الدفاع للشئون السياسية وقتها وايريك اديلمان الخبير في الشئون الاستراتيجية ولويس ليبي مستشار تشيني الرئيسي في الوقت الحاضر وتضمنت الدراسة المذكورة خطة لامبراطورية عسكرية اميركية قادرة على ضرب اي امة او تحالف امم يهددان الهيمنة العسكرية الاميركية وكان استخدام جيل جديد من الاسلحة النووية ضمن الترسانة الجديدة المقترحة. واليوم بعد ان انتقل هؤلاء الى موقع الصدارة في البيت الابيض لم تعد الامور تقتصر على التفكير في وضع خطط يبدو انها باتت بالفعل جاهزة للتنفيذ، وما يؤكد خطورة الامر تلك الاشارات التي تكون عابرة احياناً في تصريحات بعض المسئولين الاميركيين ـ وربما لا يأخذها البعض منا على محمل الجد ـ ويلمحون فيها الى امكانية استخدام اسلحة الدمار الشامل في الحرب على العراق. هذا التلميح باستخدام تلك الاسلحة المحظورة التي تلاحق واشنطن بغداد تحت غطائها هي نفسها التي تروج اميركا لحقها في استخدامها تحت سحب دخان من التحذير للنظام العراقي بردة فعل اميركية عنيفة اذا ما فكر في اللجوء الى ما تزعم واشنطن انه اسلحة دمار يمتلكها العراق. التهديد الاميركي بضربة نووية للعراق لا يجب النظر اليه على انه مجرد تهديد «للتهويش» فقد سبق واستخدمت الولايات المتحدة ذات السلاح ضد اليابان في الحرب العالمية الثانية وضحايا هيروشيما وناجازاكي لا يزال بعضهم بتشوهاته خير شاهد على حجم الدمار الهائل الذي لا تزال مخلفاته موجودة في اليابان حتى اليوم. وضغوط المجتمع العسكري الدائمة على تجريب الاسلحة التي لا تشتريها وزارة الدفاع الاميركية «البنتاغون» قبل تجريبها ربما تقود الى كارثة لا تقف عند حدود العراق وحده ولا حتى المنطقة على المستوى الاقليمي بالنظر الى مجموعة حمقاء من الصقور التي تتمنطق بترسانة هائلة من كافة الاسلحة وهي تعتلي قمة الهرم في البيت الابيض. رايات واشنطن الكاذبة عن الديمقراطية ورياح التغيير التي سوف تهب على المنطقة تخفي وراءها ابواب الجحيم ولنتأمل حجم الحشود المتدفقة الى ساحة الوغى وما يرافقها من آلة فتك وتدمير غير مسبوقة حتى ندرك ان دعوات الديمقراطية «التي باتت صعبة ايضاً في نظر السيد بوش مجرد ذر للرماد في العيون، واذا ما وقعت الواقعة فليس امامنا الا الجنرال تومس فرانكس قائداً للمنطقة والعصا لمن عصى». هل نحتاج الى أدلة وبراهين على ان النية ليست اسقاط صدام ولا حتى احتلال بغداد الذي تزعم تل ابيب انها حذرت واشنطن من اجتياحها ضمن سلسلة الاكاذيب والحروب النفسية التي ترافق المعارك العسكرية بل وتسبقها دائماً؟ الاحباط الذي يغلب على الشارع العربي وهو يرى القنابل والصواريخ وما خفي من اسلحة دمار في طريقها الى بلد عربي بالتوازي مع حالة الفوضى الرسمية عربياً، شيء طبيعي ونتيجة حتمية لغياب الارادة وضياعها في لحظة فارقة تتصارع فيها الارادات وسط صناع الحرب والخراب من جانب ودعاة السلام الذين يتولون ـ للأسف ـ عن خوض المعركة المناهضة لآلة القتل الاميركية المتأهبة للانقضاض على بغداد. المواطن العربي دفع ـ ولا يزال ـ الثمن اجيالاً وراء اجيال لخيبات السياسة التي تراوح مكانها من اخفاق الى اخفاق.. فهل هو قدر محتوم ان نتجرع سم الهزائم الرسمية دون ان يكون لنا يد فيها؟ سؤال يؤرقنا وان كانت اجابته لا تحتاج كثير عناء