السبت 5 محرم 1424 هـ الموافق 8 مارس 2003 القناعة المؤكدة التي خرجت بها الشعوب العربية من قمة شرم الشيخ ان النظام الرسمي العربي صار رمزا للهزائم والانكسارات، تلك الانكسارات التي عانى منها العرب على امتداد ثلاثة عقود، اي منذ آخر عمل عربي تضامني انتهى بانتصارات اكتوبر 1973. وصارت الشعوب على يقين بانه حان الوقت لاجراء مراجعات جذرية، وربما جراحات عاجلة لطبيعة النظام الرسمي العربي ليس على المستوى القومي فحسب، وانما على مستوى الداخل. كما صار من واجب السلطة العربية ان تدرك انها المسئولة الاولى عن العجز الذي بلغه الواقع العربي، فالنهج الذي اتبعته هذه السلطة في الداخل والخارج لم يكن ليؤدي الى حال غير الحال التي عليها الآن واقع العرب جميعا. ففي الداخل اتسم نهج السلطة بالقمع والاستبداد والانفراد بكل الامور بعيدا عن مشاركة الشعوب في مقابل التفريط في كل الثوابت امام الخارج. وقد عانت الشعوب ولاتزال من هذا التسلط والاستبداد اذا اقترن ذلك ايضا بفشل تام في تحقيق التنمية الاقتصادية والفشل في خلق مجتمعات تستطيع الاعتماد على الذات ومن ثم تردي مستوى معيشة الاكثرية العربية. ورغم هذا الفشل لم تكلف السلطة نفسها البحث عن حلول لهذه المشكلات وانما ادارت ظهرها لشعوبها وراحت تبحث لنفسها عن حلول لدى القوى الدولية، فاستبدلت بالتنمية الوطنية الاقتراض من الخارج واغرق البلاد في الديون الخارجية، مما افقد معظم الدول العربية استقلالها الاقتصادي، واخضعها للتبعية للقوى المهيمنة على العالم. وبعد فقدان الاستقلال الاقتصادي لم يكن صعبا الوقوع في التبعية السياسية والعسكرية فانفتح الوطن امام القواعد العسكرية الاجنبية وخصوصا امام الولايات المتحدة الحليف الاستراتيجي الاول لاسرائيل، والعدو الأول للأمة العربية والطامع الاول في خبراتها وثرواتها. وبدا ان السلطة العربية راحت وسط تلك المعادلة غير المتوازنة ـ تبحث لنفسها عن شرعية لدى الخارج بعد فشلها في اكتساب هذه الشرعية من الداخل، كما بدت السلطة من اجل ذلك اكثر انحيازا لضغوط الخارج على حساب مصالح الأمة. ومن هنا كان عجز السلطة الدائم عن تقديم المساندة الفعالة (سياسيا واقتصاديا وعسكريا) للقضية الفلسطينية، خاصة مع خروج بعض الدول من معسكر المواجهة الى معسكر المصالحة. وكان ذلك العجز ايضا سببا في فشل السلطة العربية عن حل الخلافات العربية ـ العربية داخل النظام العربي، مما نشر حالة شاملة من الفوضى في خريطة المنطقة. كما كان هذا العجز سببا في عدم القدرة على حماية اي دولة عربية تتعرض للعدوان مثلما حدث عند غزو العراق للكويت او ما يجرى الآن. وكانت حالة الرضوخ الرسمي العربي ـ ولاتزال ـ امام الضغوط الاميركية فيما تزعم انه من «الحرب ضد الارهاب» احد نتائج تغليب التعامل مع الخارج ضد الداخل ورغم ان القائمة الاميركية تضم اكثرية تنظيمات المقاومة الفلسطينية الا ان التعاون العربي لايزال قائما مع الولايات المتحدة في هذا الجانب بل ان واشنطن اتخذت من هذا التعاون قوة لها عند تهديدها حماس والجهاد وحزب الله، واليوم عند تهديدها للعراق، فهي تعلم ان النظام الرسمي العربي لن يناطحها وان اعلن رفض منهجها، وهذا ما تجلى في قمة شرم الشيخ، اذا اكتفت القمة بصياغات انشائية لا تكفل منع العدوان. وامام الاحباطات الشعبية التي تعبر عن نفسها يوما بعد يوم، فمن الصعب لنهج السياسة العربية الرسمية تجاه الخارج، وخصوصا الولايات المتحدة ان يظل مستقرا. وليس امام السلطة العربية الا خياران متناقضان لا يقبلان التعايش، فاما ان تنحاز السلطة لشعوبها وتتبنى استراتيجيات وطنية للاصلاح الشامل (سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وعسكريا) واما ان تواصل انحيازها للقوى الخارجية. واذ اقبلت السلطة بالخيار الاول ـ وهذا مستبعد ـ فيجب عليها وضع الاستراتيجيات الوطنية التي تنادي بها الشعوب موضع التطبيق، وان تكون جادة في تبنى هذه الاستراتيجيات وان تكون مستعدة لمواجهة التحديات والتبعات الخارجية. ولاشك ان هذه الاستراتيجيات لابد ان تشمل الاصلاح السياسي الشامل وتعبئة الطاقات البشرية والموارد الاقتصادية بما يقود الى تحقيق استقلال القرار السياسي العربي، وذلك طريق طويل وشاق لم تعتده السلطة العربية، تلك السلطة التي لاتزال تعيش على رصيد الزعامات التاريخية التي قادت الامة فيما مضى الى التحرر والاستقلال، رغم تنكر هذه السلطة لنضالات ونهج هذه الزعامات داخليا وخارجيا. اما الخيار الثاني فلاشك انه لايزال ـ حسب مؤشرات كثيرة ـ الاقرب لقلب السلطة، لانها لم تستشعر بعد قدرة الضغوط الداخلية على احداث تغيير قادر على تهديدها، على خلاف الضغوط الخارجية. واغلب الظن ان ضغوط الخارج سوف تتقوى بالسلطة على ضغوط الداخل وسيظل الحال كذلك حتى يتمكن هذا الداخل. من امتلاك القدرة على ازعاج هدوء السلطة، وهو ما سيزيد الوضع العربي ترديا على المستوى القومي وعلى مستوى كل دولة. ولاشك ان الاستمرار في التبعية المؤدية الى العجز لن يلاقي ارتياحا او قبولا في الداخل العربي المتطلع الى سياسات وطنية ولذا فان المستقبل العربي برمته سوف يشهد فورات غضب. ويتوقع ان يعبر هذا الغضب عن نفسه في اعمال عنف تطال السلطة وتطال الولايات المتحدة كمستعمر واذا ما تحقق هذا السيناريو فان السلطة العربية ستجد نفسها محاصرة بين غضب اميركي نظرا لعجزها عن حماية مصالحه وبين غضب الشارع المسلح بعنف فردي منظم او عنف منظم في جماعات صغيرة نظرا لعدم القدرة على احداث التغيير الشامل. ومن الصعب ان تنجح السلطة بما تمتلكه من اجهزة امن قوية وفاعلة في فرض الاستقرار مع استمرار تبنيها لسياسات مهادنة ومتعاونة مع الولايات المتحدة، وحتى لو نجحت فذلك لن يكون الا نجاحا جزئيا، امام الغضب الذي يتراكم الآن في الذات العربية، وهو ما يعني ان العنف ان اعلن عن نفسه فسوف يجد الثغرات التي يستطيع النفاذ منها امنيا.. والتجارب كثيرة. وهذا السيناريو سيوقع المنطقة بأكملها في حالة فوضى لان واشنطن سوف تتخذ من هذا العنف الفردي ذريعة للتدخل ـ ربما العسكري ـ في الدول التي ستشهد مثل هذا العنف، وذلك في اطار حربها المزعومة ضد الارهاب. وسوف يؤدي ذلك الى مزيد من التدخل في الشأن العربي خاصة وان الصراع الدولي الجاري الآن قد يعكس نفسه على المجتمعات العربية في ظل استمرار التبعية للولايات المتحدة فقد تعمد بعض القوى الدولية الى تقوية جماعات أو تجمعات معينة داخل الوطن وتزويدها ـ في ظل الخصومة الداخلية ـ بما يكفل لها ازعاج السلطة نكاية في تبني هذه السلطة سياسات موالية للولايات المتحدة، وهو ما قد يوقع الوطن العربي بأكمله في دائرة الصراعات الدولية في ظل الحالة الاميركية للهيمنة على العالم. وربما يكون هذا هو اكثر السيناريوهات تفاؤلا، فالوضع العربي الحالي ينذر بكوارث فادحة. وما يجرى للعراق ليس سوى بداية يشجع عليها العجز العربي الذي يتزايد يوما بعد يوم.