الجمعة 4 محرم 1424 هـ الموافق 7 مارس 2003 أمام شاشة التلفزيون جلست أشاهد فصول «المهزلة».. الاول في شرم الشيخ والثاني في الدوحة. كان صغيري الجالس بجواري يتطلع إلي.. كنت على وشك أن أقفز من مكاني. قلت والصغير يراقبني: ـ سامحكم الله يا سادة.. يسامحكم أو لا يسامحكم.. لم يعد يهم يغفر الله لكم.. أو لا يغفر لن نبالي.. يا رب لا تؤاخذنا بما فعل ويفعل بعض القادة منا. ـ ماذا بك يا أبي؟.. قالها الصغير وقد راح يحدق في الشاشة يتابع معي قمم «الشتائم».. على الهواء مباشرة.. الصياح يتعالى والسباب متبادل والردح موصول. المأساة في شرم الشيخ تحولت الى ملهاة في الدوحة.. والجميع ـ في ظني ـ كان في انتظار الفصل الثاني.. وقد حدث.. زاد الردح حتى بلغ أعلى مراتبه.. يعاود الصغير السؤال باصرار. ـ نام يا بني قليلاً.. نام. اصمت وليكن صمتك جميلا، لا تحدق في وجوههم كثيراً ولا تطيل النظر حتى لا تصاب بالاكتئاب لا تنصت الى ردحهم.. تلك الوجوه أصبحت غريبة عنا.. تشابهت علينا كما تشابهت قممهم.. ولم نعد قادرين على التفرقة كثيراً. ـ ماذا تقول يا أبي.. لا أفهمك؟.. زادت دهشة الصغير وحيرته من الاجابة.. رحت أتمتم من جديد: ـ سقط القناع يا بني عن القناع.. ولا أحد.. هؤلاء عرب أطاعوا رومهم.. وباعوا روحهم وضاعوا.. اجتمعوا بكل أنواع الألقاب والرتب ولم نسمع الا الضجيج ونفس الكلام الممل الرتيب وزانه ـ هذه المرة ـ فاصل من أدب الشتائم. ـ ما هذا يا أبي ومن هؤلاء؟ وكأني لم أسمعه، وكأني في حوار بيني وبين نفسي يأتي الصدى من داخلي مجيباً: ـ عبث.. يا بني.. مسرحية هزلية أبطالها متعبون.. منهزمون.. اشداء على أنفسهم.. رحماء بين أعدائهم.. عاشقون لعناق القاتل كي يفوزوا برحمته.. يا بني أرجوك اصمت.. هي ساعة للضياع.. للانهيار.. سقوط جديد.. قديم وعلينا أن نكتب الوصية الأخيرة.. هي قمم العرب الحمر الأخيرة يا بني. ـ يلمح الصغير عيني الدامعة: «أأنت تبكي يا أبي»؟.. قلت فيما يشبه الهذيان دون ان التفت اليه: ـ لم نعد يا بني قادرين على اليأس أكثر مما يئسنا.. فتحوا علينا نوافذ الكآبة.. سدوا أبواب الأمل.. أشاحوا علينا بأكاليل الهم والنكد.. يا ليتنا حجر.. طبول الحرب تدق والغزاة يستعدون بخيولهم ليمروا فوق جثثنا ونحن نتشاتم ونتفاخر بالخيبة والانكسار.. استحلفك يا بني اصمت قليلاً.. اذهب الى لهوك ولعبك وكراساتك البيضاء والملونة. ـ ...... يصمت الصغير ولكن مازال السؤال يطل من عينيه البريئتين. ـ يا بني.. هذا مساء العرب الأخير.. ضاقت بهم الأرض بما رحبت يتهيأون ليكونوا بروازا في متحف للتاريخ.. شاهداً على قبر مكتوب عليه: ..«هنا يرقد العرب».. «هنا كان عرب». اتركني وحيدا الآن يا صغيري.. وليتك لا تتذكر ما شاهدته.. انهض الى احلامك لكن لا تدعها تكبر كثيرا.. حاول ان تبني سفينة صغيرة للنجاة من الطوفان ولا تحمل معك صور هؤلاء.. افتح ثقباً للأمل ونافذة صغيرة للشمس. .... لا يا درويش.. لا يا شاعرنا الرقيق.. سأسجل أني كوري شمالي أو حتى جنوبي افريقي.. لن أسجل أني عربي.. اعتذر لك بكل آيات الاعتذار والأسف.. هذا زمان الارتحال بعيداً.. لم يبق في الأرض متسع للقصيدة يا شاعرنا الجميل.. فهل هناك متسع والغزاة يرفعون اعلامهم فوق أسوارنا ويجهزون لنا المنافي. لن اغني وطني حبيبي.. الوطن الأكبر.. فقد حولوه الى حقيبة ومائدة للقمار.. سأغني وطني الكوري الوطن الأكبر..!! ..... دعاء أخير: ربنا لا تؤاخذنا بما فعل بعض القادة منا وفينا.. اللهم آمين.. آمين