الجمعة 4 محرم 1424 هـ الموافق 7 مارس 2003 تعود لها زائرا، غريبا بعد عشر سنوات، بل أكثر، اصبحنا ننسى السنين أو نتناساها، لا ندقق في الحساب، ونتعمد أن نسقط العام كأنه مجرد يوم، حسبة العمر تختلف عندما يرحل نصفه الجميل. تعود لها صدفة، تدخلها في اللحظة التي تهرب منها الشمس، ويحل عليها الظلام، لا تهتم كثيرا. انك تعرفها جيدا لن تضيع فيها، لا أحد يضيع في بلده، يجهل أين زرع أيامه الجميلة؟! لا تعرف أسواقها وحدائقها، تعرف أكثر من ذلك، تعرف أين تسكن أشجارها التي زرعها الزمن وحفظها التاريخ «سمرها» و«غافاتها» التي توسطت المدينة ودارت حولها الفرجان. تعرف تبدلات الطرقات فيها ومواقع شوارعها وحاراتها القديمة. تعرف منازل اهلها، وتحفظ جيدا أين يضع شرطتها كاميراتهم ومتى ينسحبون، وأي المطاعم تختار في الليل، وأسرع خطيب يمكن ان تسمعه يوم الجمعة. واثق أنت من نفسك، ولا تخاف من الظلام، ولكن المدينة مختلفة، يبدو أنها لاتعرفك! من تكون بعد هذا العمر ؟ماأكثر الذين مروا عليها وما أكثر الذكريات التي أودعوها هنا في قلب «العين». تركوها، تركوا العين وتركوا الذكريات، أخذوا الصدى، وعاد يطاردهم الحنين كلما كبروا، وكلما تذكروا العين. ذلك الداخل المخلص القديم، الواثق من معرفته بها حتى في الظلام، يبدو انه ضيع الملامح، يقرأ لوحات الطرق مثل الغرباء، يتذكرها، لكنه يجهل الشوارع وتضيعه التقاطعات الجديدة. أين يسير، لا يعلم! يسأل عسى من يدله، وكلما أرشدوه، سار وضيع دربه. يغامر في هذا الليل، يتحدى نفسه، يراهن أن ذاكرته لم تتبدل: على اليمين قبل الجسر هناك (الجيمي) وفي خط مستقيم بعد تقاطعات ثلاثة هناك (المويجعي) على يسارالطريق.تحدد خلايا الذاكرة جيدا سكن المعهد وفلل المرخانية وسكنات الطالبات في اتوام، ودوار الساعة ومدخل البريمي، وايضا في الغرب البعيد العين الفايضة وحوض أسماك حديقة الحيوان. وتكون خلايا الذاكرة اكثر خصوبة وقوة، عندما يعود لها ذكر الأصدقاء: عبد العزيز، خالد، يعقوب، سيف، سعيد، أحمد، مبارك، ابراهيم، ومبنى كلية العلوم الإدارية والسياسية التي تغير أسمها. شكل المدرجات وأصوات الأساتذة الذين وقفوا في مقدماتها يشرحون ويعلّمون، الذين كنا نجلس لهم من اجل عيون الدرجات، مجرد حضور أجساد في حالات كثيرة، أما عقولنا فانها تهرب منهم ومنّا إلى كل مكان إلا صفحات الدرس. يسري الليل سريعا ويشتد الظلام في أطراف العين ولا تصل إلى ما تريد، انك في متاهة، ضائع لا تعرف أين أنت، سائق تاكسي يرشدك. «خان» سيعرفك على مدينتك، على ذاكرتك! وعندما تريد الخروج لا تعرف أي طريق تسلك، «خان» آخر يخرجك من العين. يا الله... كيف حلّت هذه الغربة، لا تعرف هل المدينة هي التي تبدلت أم أنها الذاكرة التي شاخت واصابها النسيان، هي التي غيّبت وضيعت الدروب. في (العوهة)عند نقطة الخروج التي ودعك عندها خان وسلمته فيها ثمن دوره كدليل، مطربة لبنانية ينبعث صوتها من إذاعة الإمارات كأنها تغني لك: وحياتك يا درب العين ما بتروح من بالنا كان العين بتنسى العين نحن بننسا حالنا بعد يومين يهاتفك فجأة، صديق تبحث عنه منذ زمن. مبارك غائب هو منذ ذلك الزمن، زمن العين والجامعة والأصدقاء والأيام الجميلة. ودعته يوم التخرج، وباعدت بينكما الحياة. لم تجده كل هذا العمر، لكنه وجدك. في ليله (عيناوية) التقى صديق مشترك، سأل عنك، هاتفك. كان صوته، اجمل هدية عندك، يساوي غلاها لقيا ما ضاع من عمر، من ذكريات. لم تخبر مبارك بن سهيل أنك زرت العين وإنها ضيّعتك! سألك عن الأحوال والدنيا، سألته عن الأصدقاء وعن العين. ترك رقم هاتفه، وغاب صوته على أمل لقاء قريب. ليلتها عدت تبحث عن عناوين الأصدقاء، من تبقى منهم، لقد ضاعت هي الأخرى! لماذا الأشياء العزيزة تضيع دون أن ندري بها، والأيام الجميلة تتلاشى بسرعة من رحلة العمر، لا تبقي فينا سوى وجع الصدى؟! هكذا هو حال الحياة..