الجمعة 4 محرم 1424 هـ الموافق 7 مارس 2003 الحرب المحتملة على العراق هي بذاتها الدمار لشامل الذي يهدر ويهدم البنية التحتية التي تمس أساسيات الحياة للكثير من العراقيين المسالمين الذين لا يملكون القرار في شأنهم، فالولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا تعبئان شعبيهما إعلامياً لشن حرب لا تحمد عقباها، بل تحاولان الضغط على الدول الأخرى في مجلس الأمن الدولي لتأييدهما في هذه الحرب المدمرة. والحرب ليست الطريق الأمثل لحل الخلافات مع الحكومة العراقية، فهناك العديد من السبل السلمية المؤثرة والكفيلة بحل النزاعات الدولية. ولا نختلف على أن الحرب المحتملة بقيادة الولايات المتحدة الأميركية تهدد أمن واستقرار دول المنطقة. وما تدمير البنية التحتية العراقية إلا الدمار الشامل نفسه، فلماذا تبرر الولايات المتحدة وبريطانيا تجريد العراقيين من أساسيات الحياة من غير أدلة دامغة على حيازة العراق لأسلحة الدمار الشامل؟ وتشهد عواصم ومدن العالم مظاهرات سلمية تناهض الحرب على العراق، بل وتشهد المدن الأميركية والبريطانية مظاهرات سلمية عارمة تطالب القيادات الأميركية والبريطانية بعدم استخدام الخيار العسكري ضد العراق، حيث يندد المتظاهرون بالإدارة الأميركية ومواقفها العدوانية التي تهدد السلام العالمي. والحقيقة أن صوت الرأي العام العالمي من طوكيو إلى آخر مدينة وقرية في العالم ينادي بعدم استخدام القوة العسكرية لتدمير العراق من غير مبررات عادلة على وجود أسلحة الدمار الشامل. وهناك أصوات عالمية تقول حتى لو ثبت امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل فإنه بالإمكان التخلص منها بالطرق السلمية من خلال هيئة الأمم المتحدة المعنية بتحقيق السلام في العالم، لكن الأميركيين والبريطانيين يحاولون تدمير العراق مهما كان الأمر. وقد تزايدت المظاهرات العالمية السلمية ضد الحرب على العراق بعد تباين كل من الموقف الألماني ـ الفرنسي مع الموقف الأميركي ـ البريطاني، حيث رأت كل من المانيا وفرنسا عدم توافر المبررات والأدلة الكافية لشن الحرب على العراق من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا، وبخاصة عندما تحاول الولايات المتحدة الاستخفاف بمجلس الأمن الدولي للتعجيل بالحرب من غير إعطاء المفتشين الدوليين الوقت الكافي للقيام بمهمتهم لتجريد العراق من أسلحة الدمار الشامل المزعومة. والمخيف من الموقف الأميركي أنه يرتكز على تصورات خطيرة لإعادة النظر في التركيبة الجغرافية ـ السياسة للمنطقة مما جعل المانيا وفرنسا وبعض دول العالم ذات المصالح في المنطقة تنادي بإعطاء العملية السلمية الوقت الكافي لكي تعمل. قوة شعبية ويشكل الرأي العام العالمي قوة مؤثرة لا يستهان بها في تغيير مجرى السياسة الأميركية المندفعة للحرب والمنحازة ضد العرب قاطبة. وتزيد قوة تأثير المظاهرات العالمية السلمية ضد الحرب كلما كانت بينها أسماء عالمية معروفة تنادي بسد أفواه أجراس الحرب التي تقرعها الولايات المتحدة وبريطانيا منذ وقت طويل، لذا فالآمال معقودة على الرأي العام العالمي للضغط على صناع القرارات السياسية والعسكرية في الولايات المتحدة الأميركية للعودة إلى الحلول السلمية بدلاً من لغة الحرب التي ستزيد المنطقة مشاكلاً تزعزع أمنها واستقرارها. وثمة شكوك كبيرة لدى المتظاهرين من أنصار السلام حول مصداقية السياسة الأميركية ومقدرتها على قيادة العالم بعدالة تجعل شعوبه تثق بها، لذا ستجد الإدارة الأميركية نفسها في مأزق كبير إذا زادت الأصوات المناهضة للحرب ضد العراق. ولابد من الاشارة للموقف العربي الهش المتعثر حول مؤازرة الشعب العراقي. فالخلافات بين بعض الدول العربية برزت لتضعف جهود الأمين العام الذي يبدو أنه محبط. خلافات متشعبة وقرارات هزيلة تضع العرب في مهب الريح، بل ولعبة للقوى الأجنبية التي لا تحترمنا بسبب ضعف قرارانا السياسي الذي لا ينظر لمصالحنا بقدر ما ينظر لمصالح الدول العظمى في المنطقة، بل الحقيقة أنه لا ينظر لمصالحنا على الإطلاق لأسباب تعرفها القيادات العربية التي تتوجس رغبة الولايات المتحدة الأميركية. ولقد ضاقت الولايات المتحدة الأميركية ذرعاً بمعارضة كل من المانيا وفرنسا القرار الأميركي لشن الحرب على العراق تحت ذريعة التخلص من أسلحة الدمار الشامل مرة ومكافحة الإرهاب مرة أخرى من خلال سيناريو وجود علاقة بين القاعدة والنظام العراقي. وهذه بلا شك حجة واهية يفهم الطفل عدم مصداقيتها ويضحك الكبير للاستخفاف بعقله لأن هناك تبايناً كبيراً في المعتقد الأيديولوجي بين الطرفين. واليوم نجد ألمانيا نفسها أمام التهديدات الأميركية الإقتصادية والعسكرية والسياسية لأنها لم ترضخ للضغط الأميركي، وبخاصة أنها ترى الإيجابية في التقريرين اللذين رفعهما كل من رئيس فريق التفتيش الدولى ورئيس وكالة الطاقة الذرية، حيث أشادا بالتعاون العراقي في هذا الشأن. والحقيقة أن الموقفين الألماني والفرنسي يستحقان التأييد العربي لأنهما يمنحان السلام فرصة تحفظ للعراقيين خاصة وللعرب عامة أمنهم وسيادتهم وما بقي لهم من ماء الوجه أمام العالم. وإذا مضت الولايات المتحدة الأميركية في إلحاق الضرر بألمانيا فإنه من الواجب الأخلاقي على العرب مؤازرتها اقتصادياً بإعطاء الشركات الألمانية الفرص الاستثمارية في العالم العربي ليعلم الألمان أن للعرب مبادئ سامية، فنحن لا نتخلى عن الأصدقاء الذين يدافعون عن الحق والسلام. ولا ضرر في أن تكون مبادئ المصالح المشتركة أساساً في تعاملنا مع المانيا وفرنسا وغيرهما، فهذه هي الفلسفة الأميركية الميكافيلية. غياب عربي وليعلم العرب من الخليج إلى المحيط أنهم مستهدفون من الولايات المتحدة الأميركية وحليفتيها بريطانيا وإسرائيل، فاليوم هدفهم الخلاص من الدكتاتور صدام حسين وغداً غيره من القادة العرب الذين يعتقدون أن الولايات المتحدة الأميركية ذات نوايا حسنة في ما يخص تطوير العرب الذين يعتبر ضعفهم مصدر قوة استراتيجية لها. ونعلم أن كلمة الجهاد في سبيل الله أصبحت مرادفة للإرهاب لأن إعلامنا العربي «المغوار» كان يرددها بلا تحفظ ومن غير تحليل أو رؤية استراتيجية لما سيؤول إليه الجهاد والنضال في فلسطين المغتصبة، فإعلامنا العربي لا يتمتع بشخصية مستقلة. وكما حذرت في كتابات سابقة من أن ما يحدث في أفغانستان سيحدث في المنطقة تحت مظلة محاربة الإرهاب، وستستخدم الولايات المتحدة نفس الأسلوب في الضغط على الدول بقولها «إما معنا أو مع الإرهاب». والمؤسف أن العرب طوقوا أنفسهم بعقد من الألغام حول عنوقهم عندما قبلوا التحالف الأميركي من غير شروط أولها تجريد إسرائيل من السلاح النووي إذا هم رغبوا بسلام دائم في الشرق الأوسط، ليتحقق للفلسطينيين مفاوضات سلام عادلة وجادة. والمظاهرات الأميركية السلمية المناهضة للحرب ضد العراق تشهد على أن الأصوات في الولايات المتحدة أكثر حرية من الأصوات في العالم العربي الذي يحتاج لإعلام العالم برفضه للحرب المحتملة. فالموقف العام الأميركي المناهض للحرب يكشف أكثر فأكثر هشاشة القيادات والسياسة العربية من قضايانا العادلة، حيث تمنع شعوبها من رفض الظلم. ومن المضحك أن إعلامنا العربي ينقل أخبار المظاهرات السلمية ضد الحرب في جميع أنحاء العالم بينما تقمع فيه الأصوات السلمية المناهضة للحرب في الكثير من البلدان العربية. والمظاهرات السلمية لا تعني إلحاق الضرر بالحكومة والشعب والاقتصاد وإنما منح الحكومات العربية القوة في التفاوض مع الولايات المتحدة وغيرها من منطلق شعبي عام بشأن قضايا العرب لأن السكوت الشعبي المرغم علامة الرضا على ما تقوم به الولايات المتحدة وحلفاؤها في منطقة الشرق الأوسط العربية التي تعيش اضطرابات منذ وطأة الاستعمار أراضيها بما في ذلك العدو الصهيوني. والمؤلم جداً أن القرار السياسي العربي غائب إلى حد بعيد عن ساحة الرأي العام العالمي مما يجعل بعض المتظاهرين الأجانب يستغربون من مناصرتهم لقضية غاب أصحابها عنها في الساحة الدولية. ـ كاتب سعودي ـ جامعة الملك فهد للبترول والمعادن