الجمعة 4 محرم 1424 هـ الموافق 7 مارس 2003 يسعى الرئيس الفرنسي جاك شيراك الى توطيد علاقاته بالجزائر واذابة الجليد الذي عكر علاقات البلدين لأكثر من عشرية من الزمن. وكانت خلافات البلدين قد تأزمت في السنوات الماضية بسبب التباين حول موضوع الارهاب الذي ضرب الجزائر، اذ رفضت الجزائر القراءة الفرنسية للأزمة والتي كانت وجهت اتهامات للمؤسسة العسكرية بضلوعها في اعمال الارهاب، بينما كانت الجزائر تقاوم لوحدها الجماعات الارهابية من دون اي سند اوروبي. والاكثر من ذلك ان العديد من الجماعات الارهابية كانت تلقى تسهيلات مباشرة من العديد من الدول الاوروبية وكانت معظم الاسلحة التي تصل الى ايادي الجماعات الارهابية تورد من اوروبا. كما اتهمت فرنسا الحكومات الجزائرية السابقة بالعجز في مقاومة الارهاب واعتبرت الجزائر ذلك تدخلاً في شئونها الداخلية، وزاد الوضع سوءاً حينما قررت فرنسا ايقاف رحلاتها الجوية الى الجزائر وفرضت اجراءات صارمة على الجزائريين الراغبين في الحصول على تأشيرة الزيارة الى فرنسا. وعند مجيء الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة الى الحكم سعى جاهداً الى اذابة الجليد والتقرب من فرنسا وتسوية القضايا الشائكة بينهما، ووجد آذاناً صاغية من الرئيس الفرنسي جاك شيراك الذي سعى بدوره الى التقرب من الدول العربية وأولها الجزائر، باعتبارها الدولة العربية التي تلقى اهتماماً خاصاً من الحكومة الفرنسية، وذلك بحكم الثقل الذي تتمتع به الجزائر في الساحة العربية والمتوسطية، علاوة على ذلك ان الرئيس الفرنسي ديغولي التوجه بحيث يعطي اهتماماً كبيراً للمستعمرات الفرنسية السابقة وهي ذات السياسة التي كانت سائدة في عهد الزعيم الفرنسي شارل ديغول، بدليل ان زيارات جاك شيراك الى افريقيا وبعض الدول العربية كلبنان مثلاً تفوق بكثير زياراته الى اوروبا. فرنسا تريد اعادة احياء مجدها القديم كقوة دولية يحسب لها حساب في لعبة التوازنات الدولية، وهي تعتقد ان الولايات المتحدة الاميركية، بعد تفكك الاتحاد السوفييتي، تسعى الى الزحف الى مناطق النفوذ التابعة لفرنسا ودول الاتحاد الاوروبي، وتتخوف فرنسا من امكانية نجاح الولايات المتحدة في السيطرة على مناطق النفوذ الفرنسية، خاصة في منطقة المغرب العربي، التي تعتبرها فرنسا منطقة نفوذها الحيوية، ولذلك تعمل فرنسا جاهدة على تطويق المنطقة لمنع التقرب الاميركي منها. لقد تخوفت فرنسا كثيراً من المشاريع الامنية والاقتصادية التي طرحتها الولايات المتحدة الاميركية في منطقة المغرب العربي، ومنها (مشروع ازنشتايت الاقتصادي) الذي يدعو الى اقامة شراكة اقتصادية اميركية مع دول المغرب العربي ومشروع عسكري يدعو الى اقامة علاقات عسكرية وامنية بين الولايات المتحدة ودول منطقة المغرب العربي، ونجحت الولايات المتحدة الى حد كبير في التأثير على المصالح الفرنسية هناك، فقد توطدت العلاقات العسكرية بين الجزائر والولايات المتحدة والحلف الاطلسي وشاركت الجزائر في مناورات بحرية مع الولايات المتحتدة الاميركية، ومثل ذلك نجاحاً كبيراً للجزائر لأنها استطاعت الخروج من العزلة التي فرضت عليها بسبب اهتمامها بمشاكلها الداخلية، فالجزائر كانت محاصرة دبلوماسياً وسياساً وعسكرياً من قبل دول الاتحاد الاوروبي التي لم تمد لها يد العون في مواجهة الإرهاب، وكان على الجزائر البحث عن مخرج للوضع الذي وجدت نفسها فيه، كما كان عليها ان تسرع في الاندماج والتكيف مع التحولات الدولية الجديدة لكي لا تبقى على الهامش الدولي. الرئيس الجزائري استطاع الى حد بعيد أن يعيد الجزائر إلى وضعها الطبيعي حيث استتب الأمن في معظم مدن الجزائر، كما نشطت الدبلوماسية الجزائرية على كل الجبهات العربية والافريقية والمتوسطية والدولية، واصبحت الجزائر في عهد بوتفليقة كما كانت في السابق تشارك في صنع القرارات الدولية، وتمكنت من الخروج من عزلتها الدولية التي فرضها الارهاب عليها وبعض الدول التي شوهت سمعتها، وها هو نجاح بوتفليقة في إعادة الجزائر إلى الحياة الدولية يتكلل بتلطيف الأجواء السياسية مع فرنسا وهذا النجاح جاء في الوقت المناسب الذي يشهد فيه العالم استعدادا لخوض حرب على العراق، حيث اشادت الدول العربية والإسلامية بموقف الرئيس الفرنسي الرافض لشن حرب على العراق ووقوفه ندا للسياسة الأميركية ومخططاتها في المنطقة العربية، حتى أن الرئيس الجزائري طالب بمنح الرئيس الفرنسي جائزة نوبل للسلام عن جهوده لإحلال السلم في العالم. وقد تأثرت المصالح الفرنسية كثيرا في الجزائر خلال العشرية الماضية وخسرت العديد من الصفقات البترولية والتجارية. وهذه العودة الناجحة لفرنسا الى الجزائر سوف تحسب كمكسب للرئيس الفرنسي بينما تعتبرها الولايات المتحدة خسارة لها لأنها (اي الولايات المتحدة الأميركية) سوف تفسر التقرب الفرنسي من الجزائر بمثابة تهديد مباشر لمصالحها في الجزائر. ماهي مكاسب الجزائر من تقربها الجديد من فرنسا؟ الجزائر دولة متوسطية لها ثقل سياسي واقتصادي كبير في المنطقة، وهي دولة لها علاقات تجارية واقتصادية بمعظم دول الاتحاد الأوروبي إلا أنها خسرت الكثير سياسيا واقتصاديا خلال العشرية الأخيرة، وهي تعرف اليوم أن نهوضها الاقتصادي والتجاري يحتاج إلى مساعدة دول الاتحاد الأوروبي وتحديداً من فرنسا. واكثر من ذلك كله ان الجزائر ومعها الدول العربية بحاجة الى سند دولي بعد تفكك الاتحاد السوفييتي، ويظهر أن فرنسا ومعها بعض دول الاتحاد الأوروبي كألمانيا تريد ملء الفراغ الدولي لإحداث التوازن وتطويق الولايات المتحدة التي تحاول فرض هيبتها وهيمنتها ومخططاتها على دول العالم وبالقوة. يمكن تفسير التقارب الفرنسي ـ الجزائري على أنه انتصار للدبلوماسية العربية التي فشلت في اسماع الصوت العربي في الساحة الدولية، فمن واجب الدول العربية ـ وذلك ضمانا لمصالحها في عالم اليوم الذي لا يرحم الضعفاء ـ ان تتقرب الى القوى الدولية كفرنسا وألمانيا المعارضة للتوجهات الأميركية، فالعرب بحاجة الى مظلة تقف معهم وتساندهم للحفاظ على وجودهم ومكانتهم، وغياب هذا السند سوف يفقد العرب الكثير، بل الخوف انهم قد ينقرضون من عالم الدول إذا تمادوا في سباتهم العميق!!. ـ كاتب جزائري