الجمعة 4 محرم 1424 هـ الموافق 7 مارس 2003 عندما ترى «مدناً» عائمة تحمل مئات الطائرات الحربية وآلاف الصواريخ، وتلتفت لترى على البر أرتالاً وأرتالاً من الدبابات والمدرعات، وقوة بشرية قتالية قوامها يقترب من 300 ألف مقاتل فإنك لتعجب كيف يمكن ألا تقوم حرب. وعندما تنقل بصرك إلى الجانب المقابل فترى المعارضة الغربية والعالمية المتعاظمة ضد حرب من حكومات وشعوب فإنك بنفس القدر تعجب كيف تقدم ادارة أميركية على اشعال حرب سوف تلهب مشاعر معظم البشرية في كل أنحاء الدنيا من واشنطن وأوتاوا ومكسيكو سيتي عبوراً بلندن وباريس وروما إلى كراتشي وكوالالمبور وسيئول وسيدني؟ لحظة الحسم تقترب حثيثاً.. فالعد التنازلي صوب الحرب ـ إذا أريد لها فعلاً ان تنطلق ـ بات يحسب بالأيام القلائل على أصابع اليدين، وقد رسم كولين باول السيناريو الموجز للعد التنازلي القصير كما يلي: الجمعة السابع من مارس يسمع مجلس الأمن الدولي أحدث تقرير من رئيس المفتشين هانز بليكس عن أحدث نتائج التفتيش عن أسلحة الدمار الشامل في العراق. السبت والأحد، 8 و9 مارس تنفذ الإدارة الأميركية آخر حملاتها الدبلوماسية من أجل كسب المعركة الدبلوماسية الكبرى في مجلس الأمن الدولي ضد فرنسا والقوى الدولية الأخرى الداعمة لها ـ ألمانيا وروسيا والصين، بمحاولة اقناع الدول الاعضاء الأخرى المترددة ما بين تأييد أو معارضة مشروع قرار أميركي (تدعمه بريطانيا واسبانيا) يمكن الولايات المتحدة من شن الحرب بغطاء من الشرعية الدولية، يوم الاثنين العاشر من مارس أو الثلاثاء 11 مارس تكون الصورة النهائية لمصير المعركة الدبلوماسية الدولية قد وضحت تماماً أمام رجال ادارة بوش: فإذا ثبت نهائيا للادارة انها ضمنت أصوات تسع من الدول الأعضاء تأييدا لمشروع القرار (وهي الأغلبية الصوتية) فإنها سوف تعتبر أنها نالت الشرعية الدولية المطلوبة حتى لو لجأت القوى الدولية الثلاث المعارضة صاحب الفيتو (فرنسا وروسيا والصين) إلى احباط نتيجة التصويت عن طريق استخدام حق الفيتو. في هذه سوف تصدر أوامر الضرب من واشنطن لتبدأ الحرب بعد يوم أو يومين أو ربما ثلاثة أيام بعد نهاية المعركة الدبلوماسية. ما بين 12 و15 مارس سوف تنطلق الطائرات والصواريخ صوب الأهداف العراقية. لكن ماذا لو خسرت الولايات المتحدة المعركة الدبلوماسية بعدم حصول مشروع القرار الأميركي على أغلبية الأصوات المطلوبة؟ هل تتخذ ادارة بوش قرار اشعال الحرب في هذه الحالة أيضاً؟ هذا السؤال لن يستطيع اعطاء اجابة قاطعة له سوى جورج بوش والدائرة المباشرة الضيقة جداً من كبار مساعديه. مع ان احتمال شن الحرب في هذه الحالة في تحد سافر للشرعية الدولية غير مستبعد بالنظر إلى القرائن المتوافرة. في كل الأحوال سوف يثير اشعال الحرب سواء بشرعية دولية أو غير ذلك ردود فعل غاضبة بمساحة العالم بأسره، ولكن إذا أشعلت ادارة بوش نيران الحرب متحدية مجلس الأمن الدولي، أي في وجه معارضة عنيدة من قبل القوى الدولية الكبرى الأخرى فإن الغضب العالمي ـ بشقيه الحكومي والشعبي ـ سوف يكون مضاعفاً. ردود الفعل العالمية لا يمكن التنبؤ بمداها سوى القول أنها سوف تكون غير مسبوقة كما ونوعاً لكن هناك مؤشرات تكاد تكون مرئية. بالطبع هناك أولاً المظاهرات داخل أميركا وخارجها، وعلى خلفية القصف الأميركي على الأراضي العراقية قد تنتقل المظاهرات إلى أساليب العنف مما يهيئ بالتالي مناخاً مثالياً للمنظمات ذات الطبيعة الارهابية في كل بقعة من بقاع الكرة الأرضية سوف تكون أي منشأة أميركية من أي نوع عرضة للهجوم. ومع تعاظم الفوران الشعبي سوف تتعرض ثلاث حكومات مشاركة في الحرب الأميركية إلى السقوط. ففي كل من بريطانيا واستراليا واسبانيا انتقل التمرد الشعبي حتى قبل بداية الحرب إلى البرلمان بحيث بات كل من بلير وهوارد وأزنار على شفا السقوط وإذا حدث ذلك فإن الحكومات الجديدة التي تتولى السلطة في هذه الدول الثلاث سوف تسحب قواتها من مسرح الحرب لتبقى القوات الأميركية وحيدة في الميدان. القصف الأميركي سوف يدفع أيضاً كلا من بابا الفاتيكان وكبير أساقفة الكنيسة الانجليزية إلى تسجيل المزيد من الادانة للحرب، ودمغها بأنها «لا أخلاقية» و«لا إنسانية» مما سوف يضاعف من التهاب المشاعر الجماهيرية ضد الحرب في الشارع الغربي. تحت وطأة هذا الفوران العالمي لا شك ان القوى الدولية المعارضة سوف تدعو إلى عقد جلسة طارئة لكل من مجلس الأمن الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة لاصدار ادانة ضد الولايات المتحدة. والمناخ العالمي الجديد الذي سوف تفرزه هذه التفاعلات غير قابل للتنبؤ الآن، لكن يجب ألا نندهش إذا أسفر عن تفكك الحلف الأطلسي الغربي بخروج فرنسا وألمانيا وبلجيكا من عضويته نهائيا، ولا ندري ان كانت حسابات ادارة بوش السياسية بدقة حساباتها العسكرية.