الجمعة 4 محرم 1424 هـ الموافق 7 مارس 2003 في الوقت الذي راهن فيه رئيس الوزراء الإسباني خوسيه ماريا ازنار على الحصان الاميركي في موقف يبدو متناقضا تماما مع القناعات الديمقراطية التي تفرض على الحاكم المنتخب، أن يقف في جانب الأغلبية بين جماهير بلاده، فإن استطلاعات الرأي أكدت أن 94 في المئة من الشعب الإسباني، المفترض أن رئيس الحكومة ملتزم برأيهم، يرفضون هذا الموقف الرسمي، ويعلنون رفضهم للغزو الاميركي للعراق، بل وأن 80 بالمئة من الشعب الإسباني يرفضون هذه الحرب أساسا، ويرفضون مشاركة بلادهم فيها حتى لو صدر قرار من مجلس الأمن يسمح للولايات المتحدة بشن حرب وغزو واحتلال دولة أخرى كالعراق. يرى البعض أن هذا الموقف المتناقض الذي يقفه رئيس الوزراء الإسباني يبدو غير مفهوم، نظرا إلى انه يعرف أن مثل هذا الموقف المتناقض مع الرأي العام في بلاده قد يكلفه شخصيا ويكلف حزبه غاليا، خاصة أن هناك انتخابات محلية سوف تجري مع بداية هذا الصيف لاختيار الممثلين في الإدارات المحلية، وأن الانتخابات العامة لتجديد أعضاء البرلمان من المقرر أن تجري في بداية خريف عام 2004، وأن أي خطأ في التقدير من جانب رئيس الوزراء الإسباني سوف يعني نهاية مستقبله السياسي، وأن هذا الموقف الخارج عن الإجماع الأوروبي يمكن أن يكلف إسبانيا غاليا، ويرهن سياستها الخارجية ويحولها إلى مجرد تابع لسياسة واشنطن، ولكن من عرفوا «خوسيه ماريا أزنار» وتابعوا مسيرة صعوده السياسي لا يندهشون كثيرا من هذا الموقف الذي يبدو شاذا في دولة تتخذ من الديمقراطية الدستورية نظاما للحكم. رهان خاسر رئيس الوزراء الإسباني، بموقفه الداعم لحرب أميركية غير شرعية دوليا، لا يراهن في الحقيقة بمستقبله السياسي وحده، بل يراهن بمستقبل حزبه في الاستمرار في الحكم وأيضا بمستقبل بلاده السياسي كدولة بدأت تتخذ لها مكانا تحت مظلة الاتحاد الأوروبي، واستطاعت في أقل من عشرين عاما من انضمامها أن تصبح دولة مؤثرة في قيادة الاتحاد الأوروبي إلى جوار الدول القيادية الأخرى كألمانيا وفرنسا، والموقف الحالي الداعم بلا حدود للسياسية الاستعمارية الأميركية التي تهدف إلى ما هو أبعد من مجرد نزع سلاح دولة من الدول، مع ما يمثله ذلك من خرق للقانون الدولي والخروج على الشرعية الدولية، هذا الموقف في الحقيقة له ما يبرره لدى خوسيه ماريا ازنار وإن كان يبدو غير مفهوم للبعض. تؤكد الحقائق أن خوسيه ماريا ازنار متوافق مع قناعاته الشخصية، وأنه يتحرك وفق ما يعتقده من مصلحته الشخصية التي تبدو أحيانا مختلطة برؤيته لمصالح بلاده، فهو من ذلك النوع من الساسة الذين ظهروا مؤخرا في الدول التي تطبق النظام الديمقراطي الغربي، بعضهم ذهب مثل «مارجريت تاتشر» في بريطانيا، التي بكت يوم هزيمتها في حزبها واعتبرت تفكير الحزب في التخلي عنها واختيار قيادة شابة جديدة «خيانة لمصالح بريطانيا العظمى»، وبعضهم الآخر يعيش بيننا وإن حاول التخفي خلف أقنعة متعددة مثل بيرلسكوني في إيطاليا، الذي يخلط ما بين مصالح شركاته الخاصة ومصالح بلاده، وهؤلاء يعتقدون أنهم على حق دائما وان غيرهم على باطل ماداموا يعارضونه، ولخوسيه ماريا أزنار من المواقف الكثير الذي يؤيد هذه الرؤية، وللتعرف على جذور هذا الموقف علينا أن نعود قليلا إلى الوراء والتعرف على تاريخه السياسي منذ أن بدأ نشاطه الحزبي. بدأ خوسيه ماريا أزنار مسيرته السياسية عضوا محليا في حزب «التحالف الشعبي» اليميني الذي تشكل من فلول وبقايا نظام الجنرال فرانكو الذي انتهى بشكل مفاجئ بعد سنوات قليلة من موت الدكتاتور الذي حكم البلاد طوال ما يقرب من أربعين عاما، عانت خلالها إسبانيا ويلات حرب أهلية راح ضحيتها الملايين ما بين قتلى وجرحى ومعتقلين، ولا تزال جراح البعض مفتوحة على الرغم من مرور أكثر من نصف قرن على تلك الحرب. منذ البداية، أعلن خوسيه ماريا أزنار موقفه السياسي من الديمقراطية التي قبلها الشعب الإسباني بديلا عن الحكم الدكتاتوري خلال مقال كتبه بعد أشهر قليلة من إقرار دستور عام 1978، معلنا رفضه لذلك الدستور الذي وافقت عليه الأحزاب السياسية جميعا بمختلف توجهاتها من أقصى اليميني إلى أقصى اليسار، وحظي بأغلبية شعبية كبيرة عند الاستفتاء عليه، واعتبر السياسي الشاب، وقتها، أن هذا الدستور سيجلب على بلاده ويلات كثيرة، وحذر من مغبة تطبيقه (!) لكن سارت الأيام وبدأت طموحاته تتحول من مجرد عضو عادي إلى الانخراط في العمل السياسي بشكل نشط، وبدأ في التدرج لاحتلال مناصب إدارية من خلال حزبه برغم قناعته بأن هذا النظام لا يجب أن يستمر، إلى أن وصل إلى رئاسة إقليم «كاستيا ليون» التي تعتبر الإقليم الأم لإسبانيا المعاصرة، لأن «ايزابيل» الكاثوليكية التي كانت تمثل الأم «الروحي» كانت تنتمي إلى ذلك الإقليم. من هناك بدأت تطلعات خوسيه ماريا ازنار للوصول إلى أعلى سلطة في البلاد، وهي رئاسة الوزراء، خاصة بعد أن فشل زعيمه الروحي ومؤسس الحزب «مانويل فراجا» في تخطي سقف انتخابي توقف عنده نظرا لماضيه القديم كوزير في العديد من الحكومات التي حكمت إسبانيا في ظل الجنرال فرانكو، وهو ما لم يغفره له أحد على الإطلاق. لكن وصول خوسيه ماريا أزنار إلى تولي رئاسة حزب «التحالف الشعبي» عام 1989، الذي تحول عن اسمه القديم ليحمل اسم «الحزب الشعبي» كان مليئا ولا يزال بالنقاط المثيرة للجدل، وبشكل خاص الفريق الذي أحاط نفسه به وتساقط واحدا بعد الآخر، وبشكل خاص أولئك السياسيين الذين كان يمكنهم منافسته داخل الحزب، ولم يتبق منهم أحد سوى مجموعة من السياسيين الذي قبلوا أن يكونوا تابعين بلا أدنى قدرة على المعارضة، حتى اصبح يتباهى بخضوع الجميع له على أنه «التزام حزبي صارم» وليس دليلا على «دكتاتورية» الرأي الواحد داخل الحزب. بعد فشله في المواجهة الأولى مع الزعيم الاشتراكي فيليبي جونثالث، خلال أول انتخابات عامة كان يخوضها بعد توليه المسئولية في حزبه بدأ في نسج شبكة إعلامية- رأسمالية جمعت كل القوى المعارضة لحزب الاشتراكي، ليس كسياسة بل ترفض مجرد وجود فكر مختلف، حتى استطاع الفوز في المواجهة الثانية عام 1996 بأغلبية ضئيلة جدا برغم الحملات الشرسة التي كان يشنها اليمين على الاشتراكيين ووصلت إلى حد التجريح الشخصي، جعلته يمارس الحكم رهينة للأحزاب الأقلية حتى أن المقربين منه كانوا يسمون هذا الفوز «الانتصار المر»، لأنه لم يستطع التغلب على شخصية الزعيم الاشتراكي «فيليبي جونثالث» بشكل يسمح له بالتباهي في الوسط السياسي، وقد ولد هذا عقدة شخصية تحكمت في تصرفاته السياسية، بل وطبعت الكثير من قراراته وطريقته في الحكم، وكثيرا ما كان يقارن إنجازاته الوطنية بإنجازات الزعيم الاشتراكي، ويقرنها بنعوت «الأفضلية»، فكل شئ يقوم به «أفضل» من إنجازات الحكومات الاشتراكية مجتمعة. بروز متأخر إذا كانت سياسة فليبي جونثالث قد مثلت نقلة مهمة في تاريخ إسبانيا، وبشكل خاص مشاركته في صياغة الدستور الديمقراطي، فإن خوسيه ماريا أزنار عندما وصل إلى رئاسة الوزارة تناسى أنه عارض هذا الدستور وأعلن عن احتفال كبير بمرور عشرين عاما على تطبيق هذا الدستور!، وهاجم السياسيين الذين طالبوا بإجراء تعديلات عليه تفرضها تطورات الحياة السياسية في البلاد، واعتبر هؤلاء السياسيين خارجين على الإجماع. وإذا كان التاريخ قد سجل للزعيم الاشتراكي نجاحه في انضمام بلاده إلى السوق الأوروبية المشتركة عام 1986، فإن خوسيه ماريا ازنار بذل أقصى ما يستطيع من جهد لأن تدخل بلاده إلى العملة الأوروبية الموحدة «اليورو» مع مرحلة تطبيقها الأولى، وكثيرا ما كان يعلن في خطاباته العامة أن الانضمام إلى «منطقة اليورو» أهم حدث سياسي في بلاده خلال العهد الديمقراطي كله (!) وكثيرا ما داعبت خياله فكرة عقد مؤتمر دولي حول القضية الفلسطينية، والسلام في الشرق الاوسط مشابه لمؤتمر مدريد لبحث هذه القضية، ولكن الأحداث العالمية كانت تقف عقبة أمام تحقيق حلمه هذا الذي يبدو محكوما بنجاح فيليبي جونثالث في عقد «مؤتمر مدريد» على الرغم من خيبة الأمل التي نتجت عنه بسبب تعنت إسرائيل ورفضها تطبيق ما تم الاتفاق عليه خلال هذا المؤتمر، ويعتقد المراقبون أن عقد مثل هذا المؤتمر قد يظل حلما يرافق خوسيه ماريا أزنار بقية حياته، لأنه في حالة غزو الولايات المتحدة للعراق قد لا يجد من يحضر مثل هذا المؤتمر تحت مظلة دولة غازية، أو قد تسبقه إسرائيل بالقضاء على السلطة الفلسطينية ولا تجد بديلا لعرفات لقبول شروط مفروضة على «أمة مهزومة». من هنا يرى البعض أن انفراد خوسيه ماريا أزنار بإعلان دعمه اللامحدود لسياسة الرئيس جورج دبليو بوش منذ اللحظة الأولى لأحداث 11 سبتمبر، على الرغم من الرفض الشعبي الكبير لهذا الموقف، واستمرار هذا الدعم برغم تجاهل واشنطن له في الأسابيع الأولى، وكان استقبال الرئيس الاميركي له في البيت الأبيض بعد مرور أكثر من شهرين على تلك الأحداث، وبعد استقباله لمعظم الزعماء الأوروبيين البارزين كان رهانا في هذا الاتجاه ليحقق حلمه في «ترؤس» مؤتمر يحقق له مكانة دولية قبل أن يترك منصبه الحالي، وبشكل خاص بعد أن أعلن أنه لن يرشح نفسه في انتخابات عام 2004. المشكلة التي واجهت رئيس الوزراء الإسباني خلال تحقيق هذا الهدف أنه أصبح يتبنى وجهة النظر الأميركية فيما أسماه «الحرب على الإرهاب»، بدأت تبرز بعد أن توغل الموقف الاميركي تجاه التطرف وأصبح يمثل خرقا سافرا للقوانين الدولية، وخروجا على الشرعية الدولية التي تعتبرها الدول الديمقراطية القاعدة العامة التي يجب أن تحكم العلاقة بين دول العالم حفاظا على الأمن والسلام، وان كان خوسيه ماريا أزنار يرى أن موقفه هذا نابع من تعرض بلاده لهذا الإرهاب طوال سنوات على يد منظمة ايتا الانفصالية الباسكية، وأنه يتخذ هذا الموقف ليحصل على مساعدة أميركية تساعده على القضاء على الإرهاب في بلاده فإن الواقع يقول عكس ذلك، لأن الولايات المتحدة لا تملك تقديم يد العون لإسبانيا في مواجهة أعمال العنف التي تقوم بها منظمة ايتا. بل أن هذا الموقف المساند بشكل متطرف للسياسة الأميركية كانت نتيجته خلق هوة كبيرة مع فرنسا التي تعتبر الطرف الدولي الوحيد القادر على مساعدة الحكومة الإسبانية في مواجهة ايتا، لأن حدودهما المشتركة تمثل مسرح العمليات الأولى لتك الاحداث، وأن تعاون السلطات الفرنسية مع السلطات الإسبانية خلال السنوات الأخيرة كانت لها نتائج طيبة في هذا الاتجاه، وموقف خوسيه ماريا أزنار، وبشكل خاص تبنيه لخطاب الثمانية المؤيد لواشنطن تسبب في شق الموقف الأوروبي الذي كانت تتبناه كل من فرنسا وألمانيا، ولا أمل رأب هذا الصدع إلا بتخلي فرنسا عن موقفها الرافض للحرب الأميركية ضد العراق. سباحة عكسية تحدى رئيس الوزراء الإسباني للرأي العام في بلاده أصاب العديد من أعضاء حزبه بالذعر، وبدا بعضهم يعد العدة للعودة إلى صفوف المعارضة فعلا، خاصة بعد أن بدأت قواعد الحزب في التمرد على انفراد خوسيه ماريا ازنار بالرأي في حزب من المفترض أنه ديمقراطي، وتقدم بعض أعضاء الحزب بالفعل باستقالاتهم لأن مواقف زعيمهم تتناقض مع الموقف الأخلاقي الذي تفرضه أبسط قواعد الممارسة السياسة، ويتوقع الكثير من المراقبين أن يتسبب هذا الموقف في تخلي الجماهير عن هذا الحزب وهو ما بدأت استطلاعات الرأي تشير إليه بالفعل، إلى درجة أن بعض الأعضاء البارزين في الحكومة التي يرأسها خوسيه ماريا أزنار بدأوا يشبهون موقفه المساند للتوجهات العسكرية والاستعمارية الأميركية بشكل مطلق على أنه «سباحة ضد التيار»، وأن نتائجه ستكون «كارثية» ما لم تحدث معجزة. وأول بوادر الإشارات المتشائمة بدأت تظهر على وجوه الكثير من أعضاء حزب الحكومة اليمينية، عندما وجدوا أنفسهم مجددا يصوتون لصالح الحرب بمفردهم ودون دعم من الأحزاب الأخرى التي بدأت في حملة شرسة تهدف إلى نزع الشرعية الشعبية عنها، على الرغم من تمتعها بالأغلبية المطلقة. لأن خروج مظاهرات 15 فبراير الماضي بالشكل المكثف الذي خرجت به: 5,2 مليون مواطن في العاصمة مدريد، و7,1 مليون مواطن في المدينة الثانية برشلونة، وما يقرب من نصف مليون متظاهر في أشبيلية، إضافة إلى غيرهم في المدن الأصغر، يعتبر نوعا من التمرد المدني على حكومة تدعي الديمقراطية وتتخذ مواقف تضر بالمصالح الوطنية. فالموقف الرسمي للحكومة الإسبانية يمثل سباحة ضد تيار الشعب. ـ كاتب مصري