الخميس 3 محرم 1424 هـ الموافق 6 مارس 2003 أنا لا أصدق ان القارئ الذي نصفه دائما بأنه عزيز ـ وأنا في ذلك مثل أستاذنا محمود أمين العالم أرى كل شخص «عزيزي» هكذا كان ينادينا منذ ان كنا نطلب الدرس على يديه، حتى انتزعنا الدرس مما يكتب. أقول انني لا أصدق ان القارئ العزيز يتذكر ماكتبته في هذا المكان في الأسبوع الماضي. وأكبر دليل على هذا انني لا أذكره! بالطبع لم يصلني بعد الزهايمر وقانا الله منه، ولكنني أعني بالتذكر أكثر مما تعني الكلمة. أريد تفاصيل ماكتبته. وللأسف الشديد لم يصلني العدد. وتلك قصة لن ننشرها الآن. وقد ننشرها ذات يوم مسلسلة، أو ربما قدمناها في فيلم بوليسي مثير. ولما لم أجد مايذكرني بتفاصيل المقال السابق اعتمدت على الذاكرة، أو على الأصح على نوع معين من الذاكرة خاص بالجو العام. وكثيرا ما كان ذلك ينجح. أظن انني تركتكم على باب المبنى المهيب يطل على ميدان التحرير بزحامه الهائل، ويطل من الناحية الأخرى على النيل بجماله الساحر. وكان قد مضى قرن كامل أو هكذا زعمت وسائل الاعلام منذ ان دخل الأفاضل الى المبنى ليناقشوا ما بالأمة، وهو ماكذبه الكثيرون فهم لم يأتوا الى المبنى في هذا العام الذي حدث فيه ماحدث. ولكن البعض قالوا انهم جاءوا سرا لأمر أو لآخر، وغابوا في الداخل ثم خرجوا ولحاهم تلمس الأرض طولا. وصاح صائح: أهل الكهف! ويكفي ان تقولها في ميدان التحرير ليتجمع عليك نصف سكان القاهرة، وأذكر ان صديقا كتب مجموعة قصصية. وقدمها للناشر الذي نشرها بعد عامين تلظى فيها صديقنا بالانتظار والتسويف وبعد نشر الكتاب بشهور اكتشف انه وزع مئتي نسخة فأصابته صدمة كبيرة وردد انه لو وقف في ميدان التحرير يقرأ قصصه لكان قراؤه في اليوم اكثر من هذا العدد. أخذ يكرر هذا الكلام، وكنا نعتقد انه تعبير مبالغة. ولكن ذات يوم قيل ان صديقنا أتى بطاولة وضعها في منتصف الميدان وأخذ يقرأ قصصه. ولأن الحادثة لا سابق لها اتجهت اليه قوات الشرطة في السيارات المصفحة. وانتزعته وقصصه الى حيث لا يعلم أحد. ولولا سعد الدين وهبة رحمه الله لكانت الأمور اسوأ. هذا هو ميدان التحرير الذي خرج اليه الافاضل ذات صباح بعد قرن ـ على ماقيل ـ من دخولهم المبنى المهيب خلسة: وتجمع الناس يتفرجون على مايحدث. وكان أكثر ما أثر في الناس وجعل بعضهم يبكي حرقة هو ان الاحفاد أتوا يحتفلون بخروج الأجداد وكان كل حفيد قد أتى معه بكرسيه. وبدا ذلك غريبا على عامة الناس، لكنهم عندما دققوا في الكراسي وجدوها شديدة الفخامة. وقال واحد من العالمين بالأمور أو ربما يدعي انه عالم بالأمور: ان الكرسي هو نفس الكرسي. وانه السيد الأكبر عندما دخل المكان المهيب غاب عن كرسيه. فقفز عليه من قفز، ثم دارت الأيام، واحتضنه الحفيد. وامتلكه. ولما عرف ان جده المفقود قد عاد أتى لاستقباله، وخشي ان يسرع الجد الى بلده ويجلس على الكرسي، وسيكون عندئذ الموقف حرجا، وسيجد صعوبة في ازاحة جده. وفعلا حدث (تلاسن) بين الأجداد والابناء. وبالطبع كلمة (تلاسن) صار آنئذ عمرها قرنا من الزمان. ولم يكن التلاسن على الكراسي فقط رغم انها كانت الموضوع الأهم. فلقد قامت خناقة كبرى بين الاجداد والاحفاد بمجرد ان رأوا المنطقة وما حدث فيها. فلقد توحدت المنطقة بعد تمزق زاد على ألف عام. وأصبحت العاصمة أورشليم. وصارت اسرائيل قلبها النابض أما ماغيرها فلقد تحول الى اليد النابضة ـ أيضا ـ والقدم وهكذا.. وغضب أحد الجدود لأن بلده تحول الى سوبر ماركت كبير يلبي احتياجات المنطقة. وغضب اخر لأن بلده خصص كعلبة ليل. ولكن بعض مستشاري الاحفاد قالوا للجدود: الله سلم. هذا أفضل كثيرا من بلاد أخرى مثل (....) وهو كما تعرفون أيها الجدود بلد محترم وله تاريخ عظيم حولوه الى ساحة معارك! ـ طوال تاريخه وهو ساحة معارك. ـ لكنهم نظموا الأمر الآن. أي مجموعة تريد القتال مع أي مجموعة تأتي الى الساحة شرط ألا يقل عدد كل مجموعة عن عشرة آلاف. ويظل القتال دائما امام التلفزيون حتى تغني احدى الجماعتين. ويعتبر أعظم برنامج في المنطقة. ونجاحه يذكر بنجاح من سيربح المليون. وهناك شائعة قديمة ان الادارة في الولايات المتحدة قررت ان يكون القتال حده الأدنى مليوني شخص. وسيكون اسمه: من سيخسر المليون؟ وبلد اخر ـ هكذا قال العقلاء ـ حولته الادارة الاميركية الى «سفاري» تنزل اليه بسيارتك الرياضية واسلحتك الاتوماتيكية وتصطاد. وهناك ممنوع صيد الحيوانات والطيور والحشرات. ولذلك انتشرت رياضة صيد السكان. ولقد تحركت الأمم المتحدة خشية انقراض السكان في المنطقة. ولقد قامت مظاهرات تطالبه الاحتفاظ بأحد السلالات العربية. وان قامت مظاهرات أخرى تطالب بالقضاء على الجنس العربي. أما العرب أنفسهم فلم يشاركوا في أية مظاهرة اذ مازالت السلطات المحلية (الحكومات سابقا) تمنع خروج المظاهرات العربية. وهناك (...) ولقد حولوها الى منطقة استكشافية، ولذلك اعادوها الى عصر الانسان الأول. والناس يأتون اليها من العالم المتحضر، للاكتشاف. ولقد اكتشفوا فعلا ان المنطقة العربية عرفت في القرن العشرين الراديو والكاميرا والتلفزيون وهو أمر مثير. وفي ميدان التحرير قامت خناقة كبيرة بين جد معروف بأنه قضى في الحكم مدة طويلة وبين حفيده الذي قضى أيضا فترة طويلة، وصمم كل منهما على الاحتفاظ بالكرسي. وتطورت المناقشة الى معركة بالأيدي توقع فيها المشاهدون مصرع الجد، ولكن النهاية أتت مبكرا بهزيمة الحفيد. وفسر البعض ذلك بضعف الأجيال الجديدة. ومع ان الحفيد هزم هزيمة ساحقة الا انه أمسك بالكرسي يرفض التخلي عنه. وتدخل أولاد الحلال حتى قبل ان يتقدم لوظيفة «وال» في احدى المقاطعات العربية التي ظلت وظيفة الولايات فيها خالية لقرن بعد اختفاء واليها. واعلنت اخيرا عن وظيفة وال بشروط تنطبق على الجد. طبعا كانت فرجة مابعدها فرجة. وكان المشاهدون أكثر بكثير من الذين سمعوا قصص صاحبنا، وحتى من الذين رأوا اختطافه من الميدان. وقال أحدهم انه سعيد لأنه يرى لأول مرة أهل الكهف، ونظر له اخر كما لو كان ينظر الى معتوه. وبدأت السيارات الفاخرة تأخذ الجدود وأحيانا الجدود والاحفاد. وتسلطن جد الى جوار حفيده في المقعد الخلفي، وسأل السائق المهذب الى أين يتجه، فصاح الجد: ـ الى الكهف! ولما تردد صاح به الحفيد: ـ نعم الى الكهف!