الخميس 3 محرم 1424 هـ الموافق 6 مارس 2003 لن تكتمل القصة التركية الا بالقصة الكردية والسؤال الذي يتحرك الآن بقوة تحت سطح الاحداث المتلاحقة المتعلقة بتطورات الأزمة العراقية هو: هل يتراءى للقيادات الكردية في الشمال العراقي، برزانى وطالباني واتباعهما، في مرحلة ما سواء قبيل الحرب الاميركية المزمعة او بعد اندلاعها ان ينضموا الى قوات النظام العراقي في اطار علاقة تحالفية جديدة تفرضها طبيعة الدفاع عن النفس من اجل البقاء؟ «الحزب الديمقراطي الكردستاني» بزعامة مسعود برزاني ومنافسه «الاتحاد الوطني الكردستاني» بزعامة جلال طالباني دخلا في شراكة تحالفية مع الولايات المتحدة في حرب عام 1991 ضد قوات النظام العراقي وكانت المكافأة التي تلقياها بعد الهزيمة النهائية للقوات العراقية هي اعتراف اميركي بانسلاخ الجيب الكردي في الشمال عن السلطة المركزية في بغداد في اطار حكم ذاتي نظريا ورسميا واستقلال حقيقي عمليا ومنذ ان تصالح الحزبان الكرديان المتنافسان اتخذ الجيب الكردي شكل الدولة المستقلة.. فقد اصبح له برلمان ومجلس وزراء.. الخ. لكنه كان استقلالا زائفا لان بقاء المنطقة الكردية مستقلة اعتمد منذ البداية على استمرار الحماية العسكرية الاميركية سواء من الحكومة المركزية العراقية او الدولة التركية عبر الحدود والان ومع تحفز الولايات المتحدة لغزو العراق يكتشف قادة الاكراد العراقيون زيف دولتهم فقد باتت المنطقة الكردية في الشمال العراقي هدفا استراتيجيا لتركيا في حالة اشتعال الحرب. من اجل حماية الجيب الكردي ابتدعت الولايات المتحدة بدعة «منطقتي الحظر الجوي» منذ نهاية الحرب الاولى ضد العراق في عام 1991، ونقول «بدعة» لان هذا الترتيب ليس مشمولا بأي من قرارات مجلس الامن الدولي الخاصة بالعراق وبموجب هذا الترتيب ظلت الطائرات الحربية الاميركية تقوم بطلعات منتظمة يوميا فوق اجواء الشمال العراقي من اجل حماية المنطقة الكردية من اي هجوم قد تشنه قوات النظام العراقي (وايضا الجنوب العراقي بغرض حماية الشيعة العراقيين). وربما يقال ان اكراد العراق ينبغي ان يكونوا الآن اكثر الناس ترحيبا بمشروع الحرب الاميركية المحتملة من حيث ان وجودا احتلاليا اميركيا على الارض العراقية سوف يعني ضمانا لبقاء استقلال «الدولة» الكردية ومضاعفة الحماية العسكرية الاميركية لها، كانت هذه على الاقل قناعة برزاني وطالباني لمدى عام على الاقل منذ ان صدعت واشنطن بصورة واضحة باعتزامها ضرب العراق وشروعها في التحضيرات. لكن «يؤتى الحذر من مأمنه» فقد اتضح ان خطة الغزو الاميركية تنطوي على خط تفكيري مختلف بشأن مصير الجيب الكردي العراقي المستقل، ذلك ان التدبير الاميركي يشتمل على دور تركي. والوضع الراهن هو كما يلي: سواء تبلور او لم يتبلور اتفاق اميركي تركي بشأن السماح لنحو 60 ألفا من القوات الاميركية بدخول الشمال العراقي من قواعد تركية فان تركيا سوف تستهدف اكراد العراق اذا قامت الحرب. والآن يتساءل كل قيادي من اكراد العراق عما ينبغي عمله في حالة اشتعال الحرب واستيلاء القوات الاميركية الغازية على بغداد كمقدمة لبقاء احتلالي اميركي لاجل غير مسمى؟ هذا التساؤل ينبع من تخوف كردي تجاه تركيا ذلك انه بمجرد دخول القوات الاميركية الاراضي العراقية فإن الحكومة التركية سوف تبعث بجيش يعبر الحدود سريعاً متوغلاً داخل الشمال العراقي ليحتل بدوره المنطقة الكردية هناك. هذا التحول الجيوسياسي الخطير لن يترك امام القيادات الكردية العراقية سوى خيار اوحد اذا قرروا الاحتفاظ بدولتهم المستقلة: خيار القتال. في الاسبوع الماضي اعلن متحدث باسم «الحزب الديمقراطي الكردستاني» اننا «سنعارض اي تدخل عسكري تركي». وقال: «هذا هو قرارنا.. انها مسألة خطيرة.. وستحدث اشتباكات اذا حدث اي تدخل». واذا وقع اشتباك قتالي فعلاً بين الجيش التركي الغازي وميلشيات الاكراد العراقية فإن اقصى ما يمكن ان يتوقعه الاكراد من القوات الاميركية الاحتلالية في العراق هو ان تتخذ الولايات المتحدة موقفاً حيادياً تجاه الاقتتال التركي الكردي. ولكن ماذا لو دخلت القوات الاميركية المعركة إلى جانب الجيش التركي بناء على اتفاق مسبق بين واشنطن وانقرة؟ خلاصة الامر انه في حالة وقوع الغزو الاميركي المحتمل على العراق مستهدفاً قوات النظام العراقي، وبالتالي دخول الجيش التركي من ناحية الشمال فإن الميلشيات الكردية العراقية سوف تجد نفسها جنبا إلى جنب في حالة دفاع عن النفس داخل خندق واحد.