الخميس 3 محرم 1424 هـ الموافق 6 مارس 2003 تصرّ بعض الأوساط الفلسطينية والعربية على خطابها السياسي التقليدي بشأن المكانة المركزية لقضية فلسطين في العمل العربي، برغم كل ما شاب ذلك من توظيفات سياسية جانبية، في تجربة مريرة، تمتد على أكثر من نصف قرن من الزمن، وبرغم كل التطورات والمحددات التي باتت تحيط بهذه المسألة، على ضوء الالتباسات والتعقيدات الناشئة في مسيرة الصراع العربي ـ الإسرائيلي. طوال المرحلة السابقة ظلّ السؤال عن معنى ومكانة قضية فلسطين، بالنسبة إلى العالم العربي، يفترض سلفا أن كل الجهود والإمكانيات ينبغي أن تكون في خدمة القضية الفلسطينية، وأن جدول الأعمال الخاص بالحكومات والمواطنين، والتوسطات المدنية بينهما، ينبغي أن يعطي الأولوية للصراع مع إسرائيل على غيرها من القضايا، بدءا من قضايا المستوى المعيشي والتنمية، مرورا بقضايا الحريات والمشاركة والديمقراطية، وصولا إلى قضايا التكامل العربي، فهذه القضايا ينبغي أن تؤجّل إلى حين الانتهاء من القضية المركزية. خطاب متواطئ! والمفارقة هنا تتجلى بتوافق الأوساط المؤيدة للتسوية والمعارضة لها على هكذا خطاب سياسي، بغضّ النظر عن توظيفات كل منهما له. فالأوساط المؤيدة توظّفه في قضية إعطاء الأولوية في عملية التسوية للمسار الفلسطيني، مثلا، في حين توظّفه الأوساط المعارضة في سياق مناهضتها لعملية التسوية، باعتبار أن القضية ليست مجرد قضية فلسطينية وإنما هي قضية قومية، وأن أرض فلسطين وقف قومي وإسلامي.. الخ. لذا فإن معضلة هذا الخطاب هي أنه خطاب عاطفي، أكثر من كونه خطابا سياسيا يعتمد الموضوعية والرؤية التاريخية والوقائع الملموسة، وهو بمعنى آخر خطاب عمومي لا يفرق بين القضية الفلسطينية واستحقاقاتها، بما هي قضية للفلسطينيين، وبين قضية الوجود الإسرائيلي في المنطقة، باعتباره وجودا يستهدف العالم العربي، على أكثر من صعيد. ومن ناحية ثانية، يبدو هذا الخطاب، في الحقيقة، متواطئا مع الوضع العربي السائد، ومع خطاب النظام الرسمي المراوغ الذي رفع راية قضية فلسطين، ردحا كبيرا من الزمن، من دون أن يقدّم شيئا مهمّاً وملموسا، لهذه القضية أو لقضية مواجهة التحدّي الإسرائيلي، من الناحية العملية. وقد أثبتت التجربة أن القضية الفلسطينية، وقضية الوجود الإسرائيلي في المنطقة، لم تشكلا في أية مرحلة من المراحل أولوية في العمل لكثير من الأنظمة، إما بسبب بعدها الجغرافي، أو بسبب المشكلات التي تعاني منها. وأن دولا أخرى اضطرت لوضع هذا الموضوع في جدول أولوياتها بسبب موقعها الجغرافي، أو لحسابات سياسية معينة. وبالمحصلة، وعلى العكس مما تقدم، فقد خدمت قضية فلسطين أنظمة عديدة، إن في إضفاء شرعية عليها، أو في صرف أنظار المواطنين عن ثغراتها وسلبياتها، كما ساهمت كثيرا في تبرير تأجيل عملية التطوير والتحديث السياسي والاقتصادي والاجتماعي، التي تحتاجها البلدان العربية، لمواجهة مختلف تحدّيات العصر، ومن ضمنها مواجهة التحدّي الذي تمثّله إسرائيل في المنطقة وعلى أكثر من صعيد؛ وهو ما أضر بالقدرة العربية على دعم القضية الفلسطينية وبناء المرتكزات المناسبة لمواجهة إسرائيل. أما الشعوب العربية، ففي معظم الحالات ظل تعاطي المواطن العربي مع استحقاقات القضية الفلسطينية وقضية الوجود الإسرائيلي، في إطار المشاعر وتقديم مختلف أشكال الدعم للعمل الفلسطيني، ولكنه لم يتحوّل إلى حالة بحدّ ذاتها، إذا استثنينا الجهود المتفرقة والمحدودة للنخب العربية، التي تعمل أو التي تهتم بالسياسة في العالم العربي، وهي لا تمثّل، في الواقع، إلا نسبة قليلة في المجتمعات العربية؛ إذ أن الغالبية العظمى من المواطنين لا يكادون يعرفون شيئا عن العمل العام وهم بعيدون كثيرا عن الاشتغال بالسياسة أو بالعمل الحزبي، فضلا عن أنهم يلهثون وراء لقمة العيش وتحسين أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وحل مشكلاتهم الفردية، أكثر من انشغالهم بالقضايا العامة والقضايا المصيرية، ومن ضمنها قضية الصراع العربي ـ الصهيوني. وقد تجلى ذلك واضحا في تجربة الانتفاضة الاولى والثانية وفي ضعف التظاهرات الشعبية (العفوية) الداعمة للانتفاضة، كما تجلى ذلك بشكل أوضح في ضعف المسيرات التي جابت العواصم والمدن العربية للتضامن مع شعب فلسطين والعراق، يوم 14 فبراير الماضي، بالقياس للمسيرات التي جابت العواصم والمدن الاوروبية مثلا! مما سبق يمكن الاستنتاج، بأن الأوضاع العربية سواء على الجانب الرسمي أو على الجانب الشعبي، لم تكن، في أي وقت من الأوقات، إلى الدرجة المناسبة لاحتضان قضية عربية مصيرية على مستوى قضية الصراع العربي - الإسرائيلي، احتضانا جادا وفعالا، رسميا وشعبيا، بحيث يأخذ طابعا مؤسسيا ومجتمعيا، إذا استثنينا تحديدا الأوضاع في ما سمي ببلدان الطوق، على تباين تعاطيها مع هذا الموضوع. وفي الواقع فإن ما يحصل، على صعيد التعاطي الرسمي أو الشعبي، مع قضية التكامل الاقتصادي أو السياسي أو التعاون الثقافي أو العلمي، يسحب نفسه على قضية التضامن أو التعاون العربيين في مجال الصراع العربي - الإسرائيلي، وقد أثبتت التجربة أن العرب مختلفون فيما بينهم على هذا الموضوع، أو على غيره، أكثر من اتفاقهم على مواجهة مخاطر الوجود الإسرائيلي في المنطقة. ـ كاتب فلسطيني