الخميس 3 محرم 1424 هـ الموافق 6 مارس 2003 في 17 مايو من عام 2001، اصدر الرئيس الاميركي - الجديد وقتها - جورج دبليو بوش وثيقة نراها في غاية الخطورة، سواء في حد ذاتها، أو من حيث ارتباطها أو فلنقل ظلالها المسقطة على أزمة العراق التي مازالت تتكشف فصولها أمام أعيننا في هذه الأيام. الوثيقة الاميركية الصادرة عن البيت الأبيض حملت العنوان التالي: ــ مقترحات السياسة القومية المتعلقة بالطاقة. الطاقة هدف جوهري وبغير دخول أو إيغال في التفاصيل نبغى ان نسترعي الاهتمام الى الهدف المحوري الذي طرحته أو توخته الوثيقة الامريكية، وفي هذا الصدد يقول الرئيس بوش بالحرف الواحد: إن أهداف هذه الاستراتيجية هي من الوضوح بمكان: انها ضمان امدادات ثابتة (بمعنى مطّردة ومستقرة ومؤكدة) من الطاقة المعقولة الأسعار بمعنى ان تظل اسعارها في متناول البيوت والاعمال التجارية والصناعات الامريكية. وفي هذا المضمار بالذات حذر الرئيس بوش من انه بغير زيادة كبيرة وملموسة في امدادات الطاقة، فإن الولايات المتحدة - على حد تعبيره - سوف تواجه تهديدا ملموسا بدوره لامنها القومي من جهة ولرفاهها الاقتصادي من جهة أخرى. رجل من تكساس وبديهي أن السيد بوش كان يعني تماما مايقول: فهو من ناحية رئيس الدولة الأخطر أو الأقوى في عالم القطب الواحد وهو من ناحية، ثانية ينحدر - كما ألمحنا في أحاديث سبقت - من عائلة نفطية بل كان حاكم تكساس وهي ولاية النفط في اميركا - حيث تشكل الطاقة وبالذات البترول محور الاهتمام الرئيسي للجمهور والساسة والمديرين والاحتكارات والاهتمامات على السواء. وأيا كان الأمر فالملاحظة الأولى على هذه الوثيقة التي نعيد قراءتها في ضوء أحداث الساعة هي ان القيادة الاميركية تصدر عن ادراك تام لمدى احتياجات بلادها الى مزيد من امدادات الطاقة وإلى اتخاذ كل الاجراءات اللازمة لضمان تدفق هذه الامدادات. دعوة من شقين نلاحظ أن استقراء ملابسات اصدار الوثيقة المذكورة ان الرئيس الامريكي اعقبها بدعوة تردد صداها وقتئذ.. وجاءت من شقين: ـ الأول: تطوير عمليات استخراج البترول من حقول المنطقة القطبية في ولاية ألاسكا الشمالية وبالتحديد من منطقة محمية الحياة البرية، القطبية. ـ الثاني: تخفيف القواعد والقيود التي كانت قد وضعتها وزارة الطاقة الاميركية (منذ عهد كلينتون) بالنسبة لمتابعة ومراقبة مايتم في الهياكل والبنى الأساسية الخاصة بصناعة الطاقة في الولايات المتحدة. وكان طبيعيا ان تثار عواصف المعارضة ضد كل من الشقين اللذين جاءت بهما سياسة ادارة بوش في ميدان الطاقة. لقد عارضت الشق الأول دوائر وجماعات الحفاظ على البيئة التي حذرت من أن تطوير حقول النفط في ألاسكا كفيل بتدمير الحياة الطبيعية في تلك المنطقة القطبية سواء من حيث التنوع البيولوجي (الكائنات الحية) أو من حيث الدمار المناخي (دورة السحب والامطار). كما عارضت الشق الثاني من سياسة بوش جماعات سياسية ودوائر أكاديمية وأوساط علمية اعربت في مجموعها عن شكوك راودتها ازاء هذه السياسة ومن ثم الوثيقة التي تبنتها ادارة بوش في مجال الطاقة وتبلورت تلك المعارضة في القول بانها ادارة بترولية بالدرجة الأولى: رئيسها من عائلة بترولية ونائب رئيسها كان على رأس احدى كبريات شركات البترول في اميركا ومستشارة الأمن القومي فيها امرأة ذات ماض.. بترولي اذ كانت عضوا في مجلس ادارة أكثر من شركة نفط بل بلغ الأمر ان أطلقوا اسمها - كوندوليزا - على واحدة من ناقلات البترول التي تجوب البحار والمحيطات.. الخ. حكاية رد الجميل قالت هذه الشكوك اذن ان ادارة بوش انما قصدوا من حكاية«تخفيف القيود والقواعد المتبعة، الى استرضاء شخصيات ذات نفوذ عات وتأثير بالغ القوة في صناعات النفط والغاز والفحم أي في عالم الطاقة القومية الاميركية وكان في طليعة هذه الشخصيات وقتها السيد «كينيث لاي» الذي كان يتربع على عرش شركة انرون النفطية العملاقة.. فأما الشركة فقد كان من أمرها ماقد بلغ القاصي والداني فسادا اختلاسا وتزييفا وتدليسا وأما السيد لاي فقد كان من أمره - قبل فضيحة شركته - ان ذاعت شهرته بوصفه واحدا من أكبر مقدمي التبرعات المالية، - السوبر سخية - لصالح الحملة الانتخابية التي جاءت بالمرشح الجمهوري جورج دبليو بوش الى مكتب الرئاسة البيضاوي الشهير في البيت الأبيض.. ومن ثم كان من البديهي ان تخفف القواعد وقد ترفع القيود وتنجاب الحواجز من وجه السيد لاي ومن امام انرون ومن لف لفهما ولو من باب رد الجميل. والحاصل أن الأسابيع التي اعقبت صدور وثيقة الطاقة القومية شهدت حوارات واسعة النطاق في الصحافة وفي الكونجرس وبين دوائر الأكاديمية والاختصاصيين المهتمين باقتصاديات النفط. كانت حوارات اقتصرت على الشأن الاميركي الداخلي أو بالأدق على الجوانب المحلية من خطة الادارة الاميركية في مجال الطاقة. دراسة أكاديمية مهمة هكذا يلاحظ البروفيسور «مايكل كلير» استاذ دراسات الأمن العالمي بالجامعات الاميركية في بحث مهم نشره في مثل هذه الأيام من العام الماضي، وفي سياق ملاحظاته تلك مضى العالم الكاتب الامريكي يقول: ـ إن الاسترسال في هذا الحوار المحلي وفي تلك المناقشات الداخلية، أدى الى تحويل الاهتمام عن جانب جوهري آخر من جوانب سياسة الطاقة القومية، للولايات المتحدة (تعرف باختصارها الانجليزي باسم رنبْ) وهذا الجانب يتخلص فيما يلي على حد تعبير البروفيسور كلير: تزايد الاعتماد على الطاقة المستوردة للتعويض عن قصور (أو نقص) الامدادات النفطية اللازمة للاستهلاك المحلي في الولايات المتحدة الامريكية. صحيح ان امريكا تنفرد عن سائر الدول الصناعية، الكبرى (ربما باستثناء روسيا مع قدر من التحفظ والتحرز العلمي) بأنها - اميركا - تملك موارد نفطية غنية تكفل لها تلبية قدر أو حصة لا يستهان بها من اجمالي احتياجات الطاقة اللازمة لاستهلاكها المحلي، لكن المشكلة - كما يحذر خبراء الطاقة تتمثل في ان معدلات استهلاك اميركا في حالة من التزايد بأكثر من معدلات الانتاج ومن ثم، يؤكد هؤلاء الخبراء - بانه سوف يتعين على واشنطن ان تستورد باستمرار حصة مطردة الزيادة من احتياجاتها النفطية (المصدر: مستقبل الطاقة في سنة 2000 - وثيقة صادرة عن وزارة الطاقة بالولايات المتحدة). الاعتماد على الخارج هذا الاعتماد على الخارج يتسم بالحدة والشدة في حالة البترول بالذات كما ينبه البروفيسور «مايكل كلير» فالبترول يشكل نسبة 35% في المائة من اجمالي استهلاك الولايات المتحدة من موارد الطاقة ويتسم باهمية محورية بالنسبة لوسائل النقل البري والجوي على نحو خاص، ومن ثم فاميركا تحصل على نسبة 53 في المائة من احتياجاتها البترولية من مصادر تقع خارج حدودها، وتدل الاسقاطات الاحصائية حسب معدلات الاستهلاك المتوقعة ان بداية العقد الثاني من القرن الحالي - عام 2020 سوف تشهد زيادة في هذه النسبة حيث المتوقع ان تستورد اميركا 62 في المائة من مجمل احتياجاتها من الخارج ايضا وهذا الاستيراد ليس ترفا ولا هو أمر يدخل في باب الكماليات، انه أمر من الزم مايكون لكي تحافظ اميركا على معدلات نموها الاقتصادي ولكي يتسنى لها توفير الطاقة السائلة.. المعقولة الاسعار لاسطولها الهائل.. الديناصوري كما قد نسميه من السيارات والشاحنات والحافلات والطائرات. في عام 2020 والمعنى كما اوضحته وثيقة الرئيس بوش الصادرة منذ عام ان واشنطن سوف يتعين عليها في عام 2020 ان تستورد من الخارج برميلين من كل 3 براميل تستهلكها. صحيح ان الوثيقة المذكورة تسهب في تبيان الاهمية التي ينطوي عليها استكشاف مصادر بديلة للطاقة النفطية ومنها مثلا طاقة الشمس أو الطاقة النووية (للاغراض السلمية فيما نرجو) وطاقة النظم الكهرمائية (توليد الطاقة من مصادر تستند الى مسقاط وحركة المياه) لكن الصحيح أيضا هو ان ثمة جزءا في الوثيقة هو الأخير كما يلاحظ الاستاذ كلير الذي نحيل اليه دراسته الهامة في هذه السطور - يعمد بدوره الى وضع استراتيجية تفصيلية تتعلق بتأمين المصادر الخارجية في كل انحاء العالم التي تعتمد اميركا عليها من أجل توفير احتياجاتها النفطية المتزايدة. المسكوت عنه يكاد الباحث الاميركي يصف هذا الجانب بانه المسكوت عنه في استراتيجية الطاقة الاميركية سواء بحكم الأموال الفلكية التي يستلزمها أو بحكم ارتباطه بشبكة العناصر التي يتدخل فيها العامل الاقتصادي مع العامل السياسي - الدبلوماسي.. ثم مع العامل العسكري.. وهو العامل الذي نرصد تناميه ومن ثم خطورته من خلال قراءتنا لكتاب الأحداث التي تشهدها امتنا والعالم في الفترة الآنية. باق 17 سنة في الفترة الفاصلة بين وقتنا الحالي وبين عام 2020 - 17 سنة وهي مجرد برهة في حياة أي أمة يتعين على اميركا أن تنفق مبلغا يصل الى 5,2 تريليون دولار لاغراض استيراد البترول- هذا مع افتراض ان الاسعار ستبقى عند مستواها الحالي المهذب والمعقول.. زد على ذلك مبلغا مماثلا وهو فلكي بدوره - لابد من انفاقه لتأمين الامدادات اللازمة للولايات المتحدة من الغاز الطبيعي (لا نملك في هذا السياق بالذات سوى ان نسجل ملاحظة على هامش السطور تشير الى ان العراق المستهدف يحوي كميات من أغزر الاحتياطيات في العالم، والى ان قطر - اقرب اصدقاء امريكا في المنطقة تنعم بواحد من أغنى احتياطيات الغاز الطبيعي في العالم أيضا). أهمية البترول متواصلة الاحتياجات الاميركية في تزايد.. والبترول سيظل سيد الموقف في دنيا الطاقة لسنوات عديدة قادمة على نحو مايؤكده علماء المستقبليات وهم بهذا يدحضون عمليا ماسبقت اليه تنبؤات انتشرت منذ عقد الثمانينات الماضي وكانت تتندر أو تيسر - سيان - بزوال سطوة البترول لصالح أنواع اخرى من الطاقة في هذا الاطار استهلوا سنوات الثمانينات بانعقاد أشهر مؤتمر دولي عن أنواع الطاقة البديلة، وهو مؤتمر الطاقة الجديدة والمتجددة في نيروبي عام 1981. المشكلة - مشكلة واشنطن ان أهم وأغزر امدادات ومن ثم احتياطيات البترول موجودة في مناطق تفتقر الى الاستقرار وتعاني من جراء صراعات ونزاعات ساخنة احيانا بل ودموية في بعض الأحيان. من هنا يأتي ارتباط البترول بالسياسة.. ليس لمجرد ان البترول سلعة استراتيجية كما يشيع الوصف، ولكن لان مناطق استخراجه وانتاجه - الشرق الأوسط والخليج مثلا - مازالت تعاني زعزعة في الاستقرار وسخونة في النزاعات الاقليمية على نحو مايراه الأمريكان (لم يتوقف عقلاؤهم ليتذكروا مثلا كيف ان أهم اسباب الصراع ناهيك عن دمويته راجع الى احتلال ربيبتهم اسرائيل لاراضي الشعب العربي الفلسطيني واراضي الشعب العربي السوري بل أن الدموية التي مابرحت صفة هذا الصراع انما ترجع بالدرجة الأولى الى منظومة ارهاب الدولة المنهجي والمنظم على يد السيد شارون رئيس وزراء اسرائيل). البترول والسياسة الخارجية في ضوء ماسبق، سيظل البترول مرتبطا بالسياسة الخارجية للولايات المتحدة وبسلوكها في مجال العلاقات الدولية وفي هذا الخصوص يقول البروفيسور مايكل كلير. ان هذه الحاجة الماسة (الضاغطة) الى امدادات مطردة التزايد من الطاقة المستوردة من شأنها أن تترك اثرا عميقا ودائما على السياسة الخارجية الاميركية فلن يقتصر الأمر على ضرورة ان يغمض مسئولو البيت الأبيض سبل الحصول على الامدادات النفطية اللازمة من وراء البحار، بل سوف يتعين عليهم أيضا أن يتخذوا الخطوات اللازمة لتأمين وصول الشحنات الواردة من مأزق حدود اميركا دون أن يعوق تسليمها عوامل أو عقبات من قبيل اندلاع الحروب أو الثورات أو القلاقل المدنية (الداخلية) ان هذه الضرورات الحتمية هي التي ستحكم سياسة امريكا تجاه جميع مناطق الامداد الواسع باحتياجات الطاقة (البترولية) ولا سيما منطقة الخليج وحوض بحر قزوين وافريقيا واميركا اللاتينية. هيمنة عالمية و.. هكذا كتب أكاديمي أمريكي بارز.. ويلاحظ انه استخدم مصطلح الحتم - أو الحتميات على حد قوله في تأكيده على مستقبل العلاقة بين احتياجات امريكا وبين عناصر سياستها الخارجية وبين اهم مناطق انتاج البترول في عالمنا. نلاحظ ايضا ان هذه الحتميات قد شملت، أو كادت ان تشمل الكرة الأرضية باسرها سواء قارة افريقيا حيث تراهن الادارة الاميركية على بلد صغير اسمه ساوتومي وبرنسيب وتحيطه بهالة من البروباغاندا حين تصفه بأنه يعوم على بحيرة بترول وقد يفوق احتياطيات السعودية.. وفي قارة اميركا حيث المؤامرات تدبر للاطاحة برئيس فنزويلا الحالي هوجوشافيز الذي حاول انتهاج سياسة تحررية بعيدا عن الدوران اللاتيني التقليدي في فلك الولايات المتحدة الشقيقة الشمالية الكبرى التي مابرحت تعد اميركا الوسطى الكاريبية واميركا اللاتينية، بمثابة ردهتها الملحقة أو فنائها الخلفي.. دع عنك قارة اسيا - بالذات منابعها واحتياطياتها البترولية في الشرق الأوسط والخليج ثم في حوض بحر قزوين وهو قوس جغرافي واستراتيجي ايضا قد يبدأ من قواعد اميركا الراهنة في افغانستان تجاه جمهوريات اسيا الوسطى - السوفيتية سابقا - وقد لا ينتهي عند حواف البحر القزويني ومنه الى منابع واحتياطيات النفط في شمالي العراق. القارة الوحيدة المستثناه من حتمية النشاط الاميركي هي أوروبا أولا لانها حليف في التحليل الأخير وثانيا لانها قارة محرومة بتروليا بل هي جائعة نفطيا.. ومن شأن السيطرة - بشكل أو بأخر - على مصادر النفط في القارات الاخرى ان يجعل من أوروبا - في قاموس السيطرة الامبريالية الاميركية المطروح راهنا - حليفا تابعا أو هي القريب الفقير في عائلة الموسرين. استخدام عناصر القوة ولأن البترول شريان حياة في عالم اليوم.. فهناك من لا يتورع عن استخدام القوة بكل أساليبها من أجل تأمين امداداته. ولا تحسبن ان هذا التلويح باستخدام القوة مقصور على ادارة بوش بحكم من تضمه من فصائل الصقور من ساسة أو مسئولين. جيمي كارتر الذي فاز بالأمس بجائزة نوبل للسلام.. والذي يعد من حمائم السياسة الاميركية كان الأسبق الى حكاية استخدام القوة لتأمين امدادات النفط الى الولايات المتحدة ومازالت الادارات الاميركية - من حقبة كارتر وحتى اللحظة الراهنة تتبع القواعد التي سبقت اليها واشنطن منذ السبعينيات ورائدها في ذلك مبدأ تجسده عبارة واحدة هي: مذهب كارتر(وإلى الجزء التالي من هذا الحديث) ـ كاتب سياسي من مصر